عازفة الكمان حنين العلم لمرايا: "البعض يهتم للموسيقى أكثر، والبعض للحركة، والجمع بينهما بالنسبة لي هو إنجاز مهم جداً."

حاورتها: ضحى عبد الرؤوف المل

ينتقل المستمع إلى العازفة على آلة الكمان، "حنين العلم"، إلى مقامات سمعية وبصرية تجمعنا مع أحاسيس مختلفة. كما لو كانت الجلسة معها أشبه برحلة تثير الشجن أو السعادة أو الحب للحياة بأوجه متعددة. إذ لا تكتفي "حنين العلم" بإيصال النشوة الموسيقية للمستمع، بل تستكملها بحركة تخلب الألباب، وهي عازفة استثنائية جمعت العزف مع الأداء التعبيري لحركة الوتر الذي تجعله يلين. لتخوض رحلة تأملية في متاهات الجمال اللامتناهي حسياً، وبمتعة بصرية ترافق اهتزازات الوتر الذي يتغنى مع لغة الجسد ولغة الأحاسيس الجمالية برمتها، ولكل حركة موسيقية فضاءاتها ولكل نغمة تأملاتها، خاصة وأن الآلة الحساسة التي اختارتها العازفة "حنين العلم" قادرة على منح المستمع الحس المرهف الصادر عن فنانة بدأت رحلتها الفنية منذ الطفولة كعازفة على آلة الكمان، واختارت الموسيقى طريقاً تمشي عليه وفق نوتات هي أبسط ما تكون كالأصوات المتناغمة مع بعضها البعض في طبيعة موسيقية تسحر القلوب. ومع العازفة على آلة الكمان "حنين العلم" أجريت هذا الحوار.

- للموسيقى مفرداتها وللوتر خاصية حساسة. لماذا اختيارك لهذه الآلة الوترية، وما هي الأهداف القادمة؟

كنت ابنة السبع سنوات عندما بدأت العزف على آلة الكمنجة، ولم أمتلك القدرة على التحليل بهذا العمر، لكن كنت أشعر أنها آلة تتكلم بإحساس عميق، وكنت أسمع أن هذه الآلة من أصعب الآلات. فكانت تشكل بالنسبة لي نوعاً من التحدي.

- عازفة بالتاء المربوطة وجمال يرافق جمال العزف الموسيقي المميز، هل من إطلالات عبر مهرجانات عالمية شاركت فيها حنين؟

لا أفكر كثيراً بمخططات للمدى البعيد، لكني أعمل كحد أقصى بحفلاتي الموسيقية ومشاريعي الفنية، وهي فقط ضمن الحفلات. أما المهرجانات العالمية فلم أشارك بها بصراحة، لكن كمهرجانات خارج لبنان شاركت في أكثر من مكان، وأعتبر أن أي مكان أستطيع أن أمنحه الطاقة الموسيقية الإيجابية يمنحني الرضا، إن كان مكاناً صغيراً أو كبيراً، المهم أنني استطعت ترك الأثر المحبوب للنفس فيه.

- هل يتقبل الوطن العربي عازفة ذات إطلالات تعبيرية، إن صح القول، فانت تمنحين حركة الوتر حركة جسد مرافقة له؟ ما رأيك؟

بصراحة، لم أجد أي معارضة كبيرة على موضوع الأداء التعبيري، بل على العكس تماماً، كثير من الناس أحبوا هذا الأداء وشعروا أن الموسيقى تصل إليهم أكثر من قبل. لأن الصوت والصورة هما أكثر تأثيراً وانطباعاً بالإنسان من الصوت لوحده. من المؤكد أن البعض يعتبر أن الرقص هو فن ليس بالقيمة العالية كالموسيقى، لكن الرقص بالنسبة لي هو فن راقٍ جداً، وأنا جمعت بينهما معاً. العزف والأداء التعبيري وتقدير ذلك ملموس بنسبة كبيرة ممن يحبون ذلك.

- هل من مؤلفات موسيقية، وأين أنت من الموسيقى التصويرية والتأليف؟

نعم، قمت بمؤلفات موسيقية مع فرقتي الموسيقية، بعضها حمل اسمي وبعضها لا. أما الموسيقى التصويرية، فلم يخدمني الوقت للقيام بذلك بسبب كثرة الحفلات، والموسيقى التصويرية موضوع واسع جداً ويحتاج لتفرغ نوعاً ما، وهذا صعب حالياً للقيام بهذا المشروع.

- أبرز المحطات التي استوقفتك موسيقياً في حياتك؟ وما الأثر الذي تركته في نفسك؟

أبرز المحطات في حياتي هي من الأشخاص الذين دخلوا في حياتي، وكانوا السبب في هذه النقلة النوعية، منهم معلمتي التي درستني الموسيقى أكثر من عشر سنوات، وبعض أصدقائي في الجامعة الذين غيروا لي نظرتي للموسيقى، لأنهم ربطوا الموسيقى بالحياة، كي لا تصبح كمهنة، بل هي نمط عيش جميل. إضافةً للتواضع الذي زرعوه داخلنا، وأيضاً التقيت بأستاذي "نظير مواس"، واكتسبت رؤيته المختلفة للأمور الحياتية، وقد طبع فيَّ الكثير من المعرفة وهو يعلمني بعض الحصص الموسيقية. ومن المؤكد أننا دائماً نلتقي بأشخاص يجعلونا نفكر دائماً بمواقف جديدة في الحياة.

- من هي حنين العلم وما أبرز اهتماماتها الفنية إضافة للموسيقى؟

حنين العلم عازفة كمنجة، وأيضاً بالإضافة لهويتي الموسيقية القيام بالرقص التعبيري، وهذا ما أحب القيام به، وهذا يترك أثراً جمالياً لا ينساه من يتابعني فنياً.

- حنين العلم ولغة الحس السمعي وما يرافقه من جمال بصري، ألا يخيفك حساسية هذا؟

طبيعة الحال، كل شيء هو سيف ذو حدين. أحياناً هو شيء إيجابي لأن الكثير من الناس سيفهم هذا الموضوع، ولأن الموسيقى ستصل بشكل أسرع لأحاسيسهم. وعندما نكون في حفل، البعض يهتم للموسيقى أكثر، والبعض للحركة، والجمع بينهما بالنسبة لي هو إنجاز مهم جداً. أما من ينظر نظرة بدائية لهذا الموضوع، فهي قد تؤذيني قليلاً، ولكن الجانب الإيجابي أكبر من السلبي. وعندما بدأت بهذه المسيرة بدأت بها لأنها تشبهني بعيداً عن التقليد، ولأنها فكرة جديدة بعفويتها، وهي هويتي الخاصة.

- امرأة وعازفة وإطلالات متتالية فيها من البهاء ما يمنح المفردة الموسيقية رونقاً مختلفاً. هل من مشاركات تمثيلية قد تشارك بها حنين العلم؟

بموضوع التمثيل، أنا على قناعة تامة أنني شخص لا أتقن التمثيل رغم كل العروض التمثيلية التي وصلتني، ولكن من خلال الكثير من المواقف ومن الأشخاص من حولي وتحفيزهم لي، ربما أقوم بتجربة ما، ولكن أانتظر اختبار ذلك بشكل صغير خلال الشهرين القادمين.

- كلمة للمرأة الموسيقية؟

أقول بغصة كبيرة إن المرأة في مجتمعنا مصابة بتقصير تجاه اهتماماتها الخاصة والمجتمع هو السبب. لهذا عليها أن تكون شخصاً مثابراً ومنتفضاً، لتحقق ذاتها بمثابرة وجدية ورقي وفن. هل هناك أجمل من المرأة كونها فنانة أو عازفة كمان أو على أي آلة أخرى وبإتقان؟ هي بذلك ستكون أماً مثقفةً وبإحساس مرهف وبشخصية قوية وناجحة، لأنها كإنسانة موجودة وقادرة على إيصال هذه الشخصية لأبنائها برهافة حس وثقافة. وهذا سينعكس عليها وعلى أولادها بفهم وتقدير ووعي، وبشكل مختلف من خلال اكتشافها أهمية الفن الجيد والنخبوي.

Doha El Mol

في تحليل الحوار معها نكتشف أن حنين العلم تجسد نموذجًا مثيرًا للاهتمام في عالم العزف على الكمان، حيث تجمع بين الإبداع الموسيقي والأداء التعبيري. ينقلنا أداؤها إلى تجربة حسية متميزة، حيث تدمج بين الموسيقى وحركة الجسد بمهارة لخلق تأثير عاطفي عميق. من خلال هذا الدمج، تتفرد حنين بتقديم تجربة موسيقية تتجاوز مجرد الاستماع لتشمل التجربة البصرية والعاطفية. إذ تتقن حنين العلم استخدام الكمان كأداة تعبيرية تحمل صوتًا فنيًا غنيًا ومعبرًا. تعكس تقنياتها العالية في العزف قدرة متقدمة على التحكم في تفاصيل الأداء، مما يتيح لها نقل المشاعر والأحاسيس بطرق متعددة. تركز حنين على خلق توازن بين جمال الصوت وحركة الجسد، مما يعزز من تأثير الموسيقى ويجعل الأداء أكثر تأثيرًا وتفردًا.

يبدو أن حنين العلم تستمد قوتها الإبداعية من العلاقة العميقة التي تربطها بالموسيقى كوسيلة للتعبير. العزف على الكمان يمثل لها أكثر من مجرد مهنة؛ إنه نوع من الاستكشاف الذاتي والتواصل مع الآخرين على مستوى عاطفي عميق. تُعبر حنين عن مشاعرها من خلال تحركات جسدها المصاحبة للعزف، مما يعكس قدرتها على استخدام الموسيقى كوسيلة لتحرير الأحاسيس والتفاعل مع جمهورها.

تتسم أعمال حنين العلم بتنوع كبير من حيث الأسلوب والتعبير. تبرز قدرتها على الانتقال بين مختلف المقامات السمعية والبصرية، وتقديم أجواء متباينة تشمل الشجن والسعادة والحب. هذا التنوع يعكس فهمًا عميقًا للموسيقى وقدرة على التفاعل معها بطريقة شخصية وأصيلة. يتكامل الأداء التعبيري مع العزف الموسيقي ليخلق تجربة موسيقية متكاملة تتسم بالحداثة والإبداع.

تعتبر حنين العلم مبتكرة في استخدام التفاعل بين الصوت والحركة لخلق تجربة موسيقية فريدة. من خلال دمج الأداء التعبيري مع العزف، تميز نفسها عن العديد من العازفين التقليديين، مما يبرز قوتها كفنانة تسعى لتوسيع حدود التجربة الموسيقية. تعكس استجابتها الإيجابية لتحديات الأداء التعبيري رغبة في دفع حدود الإبداع الفني وتعزيز تأثير الموسيقى على مستوى الحواس.

بينما تواجه حنين العلم بعض التحديات المتعلقة بتقبل الأداء التعبيري في بعض الأوساط، إلا أن هذه التحديات توفر لها فرصًا للنمو والتطور الفني. يتطلب دمج الحركة مع العزف التزامًا وتقنية عالية، وقد تكون هناك مقاومة من بعض الجماهير أو النقاد. ومع ذلك، فإن التزامها وإبداعها يفتحان أمامها آفاقاً جديدة لتجربة أفكار فنية مميزة وتوسيع تأثيرها في عالم الموسيقى.

بهذا التحليل نستطيع أن ندرك أن حنين العلم ليست مجرد عازفة كمان، بل فنانة تسعى لدمج الموسيقى مع التعبير الجسدي لخلق تجارب موسيقية غنية ومؤثرة.

dohamol67@gmail.com