الروائية أريج جمال لـ «اللـــواء»: «أن نواصل الحياة لهي معجزة واليوم عزّت الحياة أكثر من أي يوم مضى.. مع انتشار العنف المجاني والإهمال والحرب»...
حاورتها: ضحى عبد الرؤوف المل
تمثل رواية "أنا أروى يا مريم" التفاف المرأة المهزومة على ذاتها من خلال الثورة التي تبدأ نطفةً فعلقةً، وتنتهي جثةً على قارعات الطرق في ثورة لا يدرك كل من يشارك فيها هل سيحيا أم سيموت، والتي تشبه عملية التلقيح أو الولادة بعد ثورات كثيرة للبقاء. ولكن المثلية ما زالت تمثل في رمزيتها ضمن هذه الرواية الالتفاف الذاتي من خلال المرأة الرجل، تلك القادرة على خوض الحياة. ولكن هل يتقبل المجتمع الشرقي المتخذات الأخدان؟ وما بين الرفض والرفض، ولن أقول القبول، قمت بهذا الحوار مع الروائية أريج جمال.
- عبارة واحدة تختزل لحظاتك الأولى: الولادة تسبقها ثورة؟ لماذا هذا التشبيه في نيل الحياة والدخول إليها؟
لأن الدخول إلى الحياة هو حقاً معجزة. تصوري معي كم من الأطفال يموتون كأجنة في بطون أمهاتهم. أن نواصل الحياة لهي معجزة، واليوم عزّت الحياة أكثر من أي يوم مضى، مع انتشار العنف المجاني والإهمال والحرب. ثم إن هناك ميلاداً ثانياً بعد الميلاد الأول، عندما نختار، عندما نحب، وعندما نقبل المرور بهذه الخبرة المدهشة التي تُسمى الحياة حتى النهاية.
- فنتازيا تميل إلى دغدغة المشاعر والانتقاد بروح طفولية ميالة إلى الاكتشاف. ما رأيك؟
قد يكون وقد لا يكون. من يحدد؟ في رأيي، لا أحد لديه هذه القدرة أو الصلاحية، أعني أن يصدر حكماً مطلقاً على عمل فني.
- كل هؤلاء النسوة كن في حياتي من قبلك. لماذا هذا التشديد على التتابع في دور المرأة المهدور في المجتمعات من الماضي إلى الآن؟
المرأة هي في الأصل واهبة الحياة، وبالتالي دورها لا يمكن أن يكون مهدوراً، لكن النظم الاجتماعية والسياسية والاقتصادية لا تعنيها واقعياً لا دور المرأة ولا الرجل. المصلحة تحكم، مصلحة السلطة أو الطبقات المنتمية لها. أتحدث عن المصلحة المادية بالطبع.
- هدم المعادلة ومخالفة الطبيعة، ألا تظنين أن هذا انتهاك للإنسانية رغم أن الإنسان سيد الكون؟
الإنسان سيد الكون، وهناك عدة أكوان أخرى تدور داخله. قد يعترف الإنسان ببعضها وقد يفضل كبتها أو رفضها باسم المعتقدات أو التقاليد. شخصياً أومن بالحب، وبأنه فطرة الإنسان الأولى، وأعتنقه كدين في مواجهة ما نراه من خراب وقتل وإشاعة للأمراض. عندما أنظر إلى الشجر، أعتقد أنه ابن للرحمة، سقته الطبيعة وامتدت جذوره إلى عمق الأرض. كل هذا التعاشق والانتماء هو الحب بالنسبة لي، ولو شئتُ فأنا أرى أن "أنا أروى يا مريم" هي رواية عن الحب أصلاً.
- الألم يحدث من التاريخ أيضاً، لماذا كل هذا التخبط في مقادير الحياة لأبطال كسروا المعايير ولم يتحرر منهم أحد؟
لا أتصور أنه من الممكن إخضاع البشر لمعايير، فهم ليسوا جمادات ولا أفكاراً مجردة. واختزالهم بهذا الشكل ينزع عنهم إنسانيتهم بكل هشاشتها وقوتها. أبطالي أشخاص أحبوا الحياة واكتشفوها في سياق زمني واجتماعي وسياسي محدد، وكان لهذا ثمنه بلا شك.
- كنت أخاطبك في خيالي جملة تختزل كل هذه الفنتازيا أو كل هذه الثورة المتخيلة على كل القوانين والأعراف، لماذا كل هذا؟
أما "لماذا؟" فهو سؤال يجيب عنه الأدب في مجموعه، في تاريخه منذ بدأ وحتى اليوم الذي ستنتهي فيه الحياة على كوكب الأرض. لا يمكن لرواية واحدة الإجابة على سؤال بهذه العمومية. وإن كنت أعتقد أن القارئ متورط معي ومعك في محاولة الإجابة، وأنه لا توجد إجابة واحدة حاسمة. ألا ترين في ذلك معي دليلاً متجدداً على روعة الأدب؟
Doha El Mol
تمثل رواية أريج جمال "أنا أروى يا مريم" عملاً أدبيًا يتناول موضوعات عميقة ومعقدة تتعلق بالحياة، الحب، والصراع الفردي. من خلال الحوار مع الروائية، نلاحظ توجيهًا مركّزًا نحو استكشاف الثورات الفردية والجماعية، ومفهوم الحب كعنصر محوري في مواجهة التحديات الإنسانية.
يظهر من خلال الحوار أن أريج جمال تتبنى رؤية فلسفية تتسم بالتشاؤم الواقعي. تعتبر الحياة معجزة نادرة في ظل الظروف القاسية من العنف والإهمال والحرب. هذا المنظور يشير إلى تقديرها العميق للحياة والأمل، لكن مع اعترافها الصريح بالتحديات العديدة التي تعيقها. يتميز هذا التحليل بلمسة من التأمل الفلسفي العميق الذي يعكس صراع الذات البشرية في مواجهة الواقع المعقد.
الرواية، بحسب ما يعبر عنه الحوار، تتناول مواضيع الثورة، الهوية، والمثليّة. تتجسد الثورة هنا كمفهومين متناقضين؛ من جهة هي عملية خلقية تتطلب الصراع والتضحية، ومن جهة أخرى فهي تجسيد لميلاد جديد لا يُدرى مصيره. كما تتناول الرواية رمزيات مرتبطة بالمثليّة والمرأة كمحور تمرد، مما يشير إلى محاولة استكشاف وتفكيك المفاهيم التقليدية للهوية.
من خلال إجابات أريج جمال، يتضح أن هناك صراعًا داخليًا عميقًا يتجلى في روايتها. ينعكس هذا الصراع في تصويرها للثورة كميلاد وجثة، وفي تساؤلاتها حول تقبل المجتمع الشرقي للهوية غير التقليدية. تشكل هذه الأسئلة مصدر قلق وتأمل نفسي، حيث تسعى الرواية لتفكيك التناقضات بين الأمل واليأس، الحب والكراهية، والقبول والرفض.
تستند أعمال أريج جمال إلى تقنيات أدبية تعكس تأملاتها الفلسفية. استخدام التشبيهات مثل الثورة التي تسبقها الولادة يعكس قدرتها على المزج بين الرمزية والتجربة الإنسانية. تعكس روايتها أيضًا قدرة على اللعب بالأبعاد النفسية والوجودية للشخصيات، مما يجعل من العمل دراسة عميقة للإنسانية وصراعاتها. تقنيات السرد التي تعتمد على التكرار والتشبيه تساهم في تعزيز موضوعات الرواية وإبراز تعقيداتها.
من منظور روائي، يبدو أن أريج جمال تسعى من خلال أعمالها إلى تقديم رؤية متعددة الأبعاد للحياة والوجود، حيث تدمج بين الفلسفة والتجربة الشخصية. استخدام أسلوب السرد الفنتازي يسمح لها بإبراز أبعاد إضافية للتجربة الإنسانية، بينما تظل القضايا الاجتماعية والثقافية جزءًا أساسيًا من العمل. تعكس رؤية أريج جمال قلقًا عميقًا تجاه المفاهيم التقليدية، وهي تدعو القارئ للتفكير في معاني الحياة والحب بطريقة غير تقليدية.
من خلال هذا التحليل، نجد أن أريج جمال تقدم رواية غنية بالرمزية والتمثيلات الفلسفية التي تعكس صراعات إنسانية عميقة. تدمج بين الموضوعات الكبيرة كالثورة والحب، مع استكشاف دقيق للهوية والمجتمع. الأسلوب الأدبي الذي تتبعه يعزز من فهم القارئ للتجربة الإنسانية ويسمح بفتح آفاق جديدة للتفكير والتأمل.
dohamol67@gmail.com
https://aliwaa.com.lb/%D8%AB%D9%82%D8%A7%D9%81%D8%A9/%D8%A7%D9%84%D8%B1%D9%88%D8%A7%D8%A6%D9%8A%D8%A9-%D8%A3%D8%B1%D9%8A%D8%AC-%D8%AC%D9%85%D8%A7%D9%84-%D9%84-%D8%A7%D9%84%D9%84-%D9%88%D8%A7%D8%A1-%D8%A3%D9%86-%D9%86%D9%88%D8%A7%D8%B5%D9%84-%D8%A7%D9%84%D8%AD%D9%8A%D8%A7%D8%A9-%D9%84%D9%87%D9%8A-%D9%85%D8%B9%D8%AC%D8%B2%D8%A9/