الفن هو لعبة الأذكياء في محاكاة العالم.
إن الريشة والألوان وحتى سكين الرسم وغيرها من الأدوات قد تُحوَّل إلى سلاح بصري يسيطر من خلاله الفنان على العقول التي تغوص في سبر أغوار المعنى، لتعميق لحظة الانفعال المنبعثة من المولعين بعالم اللون والحركة الضوئية فيه، مما يعكس قوة في المفاهيم الفنية النابعة عن عقيدة جمالية تبحث عن قيمة الحياة، أو بالأحرى قيمة الذات الملتزمة بإنتاج جمالي له أهدافه، وأساليبه الملتزمة بالمضامين الكامنة في العقل الباطن أو تلك الظاهرة منها. إلا أن الفن هو لعبة الأذكياء في محاكاة العالم، لهذا يكافئ النقد الفني المبني على التشجيع أولاً، ومن ثم على تقييم المعايير والأسس الفنية المرتبطة بأحكام هذا الفن على رفع قيمة العمل الفني. إلا أنها لا تستطيع منحه رغبة ارتفاع أسعاره أو وصوله إلى العالمية، لأن للتسويق فنونه وأدواته أيضًا. فهل من يهتم بتسويق هذا الفن بشكل عام في العالم العربي، والاهتمام به، لينتقل إلى العالمية ويدخل مزادات ضخمة، لتكون اللوحة العربية الأصل بطاقة دخول إلى عوالم يسيطر عليها بصريًا المولعون به أو الذين يحتكرون الفنان ولوحاته. بل ويتلاعبون بمشاعره لقبول السيطرة عليه بالسلاح ذاته، وإنما هذه المرة للحفاظ على مكتسب مادي أو ليتبوأ مكانة معينة إن كان من جامعي اللوحات أو من الذين يتاجرون بها أو حتى من عشاق الفن أنفسهم. وهذا كله لا يحتاج إلا إلى الاطلاع على محورية الفن والأسس القائم عليها في العالم أو شبكته المعقدة التي يصعب فهمها أو حتى فك لغزها. فهل من أهداف ترسم مسبقًا لكل هذا؟ أم أنها مجرد هواجس لتحديد خطوات الفن، والتي تبدأ من الفنان نفسه ونوعية عمله الذي يقدمه ليتلقفه الوسيط، وتبدأ لعبة الفن بفوارقها المختلفة، وهل من مستقر للفنان بعد ذلك؟
إن الفن بشكل عام هو عالم من عوالم أخرى له سلبياته وإيجابياته، وفيه كرّ وفرّ وخوف من عدم الاستقرار، مما يجعل الفنان يحارب باستمرار من أجل الفن كي لا يترنح ويسقط في متاهة لعبة تتركه صفر اليدين، أو تجعله دون رتبة يتدرج من خلالها إلى المراكز الفنية التي يستحقها فعلاً، أو تلك التي يتم التسويق لها، ليدخل بها إلى المزادات الفنية. أضف إلى ذلك اكتفاء الفنان بما وصل إليه من شهرة واسعة، فيقف في نقطة واحدة، ليبدأ بالتراجع إلى الحد الأدنى قبل وصوله إلى القمة التي تخوله للبقاء مسيطرًا على الآخرين، فيفقد سيطرته ويعود أدراجه إلى نقطة الصفر، وتبقى لوحاته في بيئة صغيرة محيطة به فقط. فهل من أعمال فنية مرموقة وصلت إلى العالمية من فراغ؟ أم أن أصحابها أدركوا أسس اللعبة ومقدرتها في آن، لتكون محط أنظار العالم الصامت الذي يتداول بها من وراء الكواليس؟
يؤمّن الفن قدرة على التخييل بشتى أنواعه، وبالتالي هو بمثابة قنبلة موقوتة، لكنه أيضًا يستطيع بصريًا التسرب إلى أكبر عدد من الناس، ومحاكاتهم بشتى اللغات التي تتناسب مع أفكارهم، وتكوين رؤية ينفرد بها كونه يعتمد على مفاهيم رياضية أو هندسية أو معايير لمزج الألوان، أو غير ذلك من الوسائل التي تثير العقل، وتتركه في انفعالات يترجمها بعد تفكر وتدبير. كما أننا نرى مشهداً جمالياً من مشاهد الطبيعة في عدة فصول، أو مشهداً من كوارث الطبيعة أيضًا، فنتساءل عن كيفيته وماهيته وما إلى ذلك، وبتوافق مع الحواس التي قد تنفر أو تنسجم، وربما قد ترفض أو توافق. إلا أن المحاكاة تكون قد حققت وظيفتها واستطاعت التحفيز، بل والسيطرة أيضًا من خلال فكرة تركها في الفن الذي يمارسه. فما هي أبعاد هذه اللعبة والنتائج التي ترتكز عليها؟
ينطوي الفن على تعقيدات والتفافات وإيحاءات لا يمكن تذليل صعابها حتى بالتحليل. إذ يبقى لعنصر الغموض الجاذب سره الأكبر، وإن كانت المقاييس والمعايير لها الأهمية الكبرى في ذلك. أي الحفاظ على النسبة الذهبية والتمسك بها، لأنها تعمل على بث المزيد من أسرار الغموض، ليبقى الفن بكل مقوماته داخل متاهة (الداخل إليها موجود والخارج منها مفقود). إن بالعرض والطلب أو المزايدات أو الدخول إلى الأسواق الفنية العالمية غير المسموح المعرفة بها بشكل واضح ومستقر، لأنها تعتمد على لغة الأذكياء في العالم وهي الفن.
https://aliwaa.com.lb/%D8%AB%D9%82%D8%A7%D9%81%D8%A9/%D8%A7%D9%84%D9%81%D9%86-%D9%87%D9%88-%D9%84%D8%B9%D8%A8%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%B0%D9%83%D9%8A%D8%A7%D8%A1-%D9%81%D9%8A-%D9%85%D8%AD%D8%A7%D9%83%D8%A7%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%A7%D9%84%D9%85/