تدفق بصري إلى ما لا نهاية، مؤثر في الفراغات الضوئية.

ضحى عبدالرؤوف المل

تتطاير الأشكال المتجانسة والمتنافرة عبر خصائص الضوء والفراغ والأجزاء المكونة لهيكل الشكل الفني الذي يمزجه الفنان "تشونغ لو" (Zheng Lu) بمواد الاستنلس ستيل (Stainless Steel)، بميكانيكية بصرية لها فلسفتها الجمالية، المقاومة للجاذبية أو الانتقال من المكان إلى اللامكان، ومن الشكل إلى اللاشكل، ومن الماء إلى الماء، وعنصر التوقف الزمني أو الإمساك بلحظة زمن، كتلك التي تحدث في ثقب الضوء الموجود لحظة التقاط الصورة، وإنما بفن نحتي يميل إلى تفسير العدم من خلال فيزيائية الحركة التخيلية وإظهارها في هيكل الوجود المبني على فكرة الحياة وطبيعتها، المكونة من انفعالات الماء أو المادة السائلة عبر نظرية نشأة الكون، وإنما يترجمها "تشونغ لو" بأساليبه الفنية المرتبطة بالرؤية الفيزيائية للكون، وبتكوينات متفاوتة في تدرجاتها العشوائية، والتطورات الطبيعية القادرة على مقاومة الفناء بالوجود المفروض على الرؤية الحياتية الثابتة والمتحركة، للوصول إلى لحظة الجمال اللامتناهي، والتعبير المرتبط بتموجات بصرية تكشف عن مخزون فيزيائي ذي إدراك تأملي تجاذبي له حكمته وسكونه الداخلي.

تدفق بصري إلى ما لا نهاية، مؤثر في الفراغات الضوئية وتغييرات المادة، ومفاهيمها القاسية واللينة، المتعددة النغمات في تشكيلاتها وأبعادها ضمن فضاءات الشكل غير المحدود. إذ يتغلغل إلى داخل الكتلة لإثبات جمالية رؤيته المتخيلة، والمنسابة كالماء مع المادة وتشكيلاتها، وكأنها تنفجر في لحظة مقدّرة لها، لتكون كحرف لغوي له معناه في تحقيق المحاكاة أو التحاور الفني، مخترقاً بذلك مفهوم اللامسافة واللامكان واللامساحة، وحتى اللاوجود لالتقاط الوجود المادي بسرعة الضوء المتوقفة جزئياً في منحوتاته أو أعماله الفنية المبنية على نظرية الماء أو بالأصح "وجعلنا من الماء كل شيء حي". فهل يمكن التقاط الحياة من داخل الجماد؟ أم أن فلسفته هي نظرية جمالية في الحياة الطبيعية ومؤثراتها؟

ما بين العدم والوجود تتجلى فلسفات المادة في أعمال الفنان "تشونغ لو" ومساراتها الفنية المسخرة لأحداث تغييرات في مفهوم المادة أو الماء وتلاشيه، وتكوينه الضوئي الحساس بصرياً وإيحائياً، لإثارة الخلايا البصرية، وحث الذهن على التأمل والتفكر، لإيجاد لغة لا تقل أهمية عن اللغات الأخرى. إذ يترجم الأحاسيس بالفراغ والضوء بمفهومي العدم والوجود، وكأنه فيزيائياً يحاول الوصول إلى معادلة الخلق الجمالي المكون من قطرة الماء، وتفاعلها مع المواد الباردة والحارة أو الطبيعية والصناعية، ضمن مفردات مخالفة للتوقعات أو للتخيلات، وذلك للتوازن الجزئي أو لبناء جملة من الألياف البصرية المتعلقة بالجاذبية، والفضاءات التخيلية للحركة والسكون، ومحورية النقطة الوجودية بالنسبة للمنحوتة أو للشكل الهيكلي مع الحفاظ على الانعكاسات الوهمية المتلاشية، وخطوط الضوء المستقيمة والمنحنية المكتسية قوة المادة وتجمّدها، ضمن الجزء الزمني المتحرك وفق مسار الماء وانسجامه مع مادة تمثل السكون والحركة والإزاحات الفنية.

تبدو لحظة الهدوء الحركي في مؤلفاته النحتية انعكاسية عبر التموجات القادرة على إحداث تغييرات ميكانيكية أو فيزيائية، تكشف عن تغييرات ما ورائية مترابطة بصرياً لها محاورها النسبية، ليستكشف المتلقي معه جدليات مرتبطة بالبحث عن المؤثرات الكلية في مفاهيم السكون والحركة، الزمان والمكان، والوجود والعدم والتغيير الثابت والمتحرك، والذات والآخر من حيث صلة المادة بالمياه والضوء والفراغ والألياف البصرية المحكومة بالإيقاعات وتوازناتها ذات الخصائص الفيزيائية والطبيعية التي تكشف عن انعكاسات داخلية للمادة مع الماء، لإبراز قوة التناقضات الثنائية التي تجبر الماء أو المادة المستخدمة على التفاعل ضمن قانوني الحركة والسكون، فهل يبحث عن المجهول في منحوتاته التركيبية أو الانفعالية ضمن عقلانية النسبية وقدراتها على خلق مقاييس الجمال؟

يحاول الفنان "تشونغ لو" تكوين الظل أو متابعة الضوء في انحرافاته، وتواجده بين ثنايا الفراغ أو اصطدامه بالمادة، وتشكيل دياليكتيكي ينساب مع الحركة في سكون بصري بمده بالأحرف الصينية أو حركتها الفلسفية في تشكيل المعنى، لخلق تماثلات فنية ترتبط بلغة الإنسان المقروءة، والجمال البصري لغوياً أو حسياً متنقلاً من البساطة إلى التعقيد، وبالعكس لتحفيز الفكر على إيجاد الأبعاد البصرية القابعة خلف أعماله الفنية، ومعانيها من زوايا فيزيائية مختلفة مرتبطة بمفهوم التغيير المتأثر بالعوامل الطبيعية وأسس الزمان والمكان، لمعرفة طبيعة الأشياء ومدى مقاومتها للوجود وعدمه ورمزية الحياة، وقوتها في الطبيعة المائية المحاكية لوجود الإنسان ومدى انسجامه الكوني معها، والانتصار على التحديات بشتى أنواعها البيئية والاجتماعية والأدبية وغير ذلك.

يستخدم الفنان "تشونغ لو" الماء وقوته في خلق تحديات تتصارع مع ذاتيتها بموضوعية فنية ينتج عنها نظريات تعتمد على جدلية الماء وقوته الإيجابية والسلبية في تكوين جمالية تعبيرية في حركته وسكونه. فكيف إذا امتزج مع مادة تستقطب الضوء، وتترك فعل التلاشي ضمن شفافية الخصائص المائية وتأثيرات المادة الثقيلة المتفاعلة معها؟ أم أن ثنائية النحت تعتمد على الماء والمواد الأخرى المتفاعلة معه ضمن قوانين الطبيعة التي اكتشفها الإنسان؟

Doha El Mol

في هذا المقال المقال تناولت فن النحت الخاص بالفنان "تشونغ لو" (Zheng Lu)، واستعرضت أعماله التي تدمج بين الضوء والماء والمادة لخلق تجارب بصرية وفلسفية. وقدمت تحليلًا لأساليب "تشونغ لو" الفنية وكيف يعكس عمله فلسفات عميقة تتعلق بالحركة والسكون، الوجود والعدم، الزمان والمكان.

من ثم تناولت أسلوب "تشونغ لو" في استخدام مواد مثل الاستنلس ستيل والماء لخلق تأثيرات بصرية معقدة. يسلط الضوء على كيفية استفادته من هذه المواد لتحدي الجاذبية والتلاعب بالضوء والمادة. التقنية التي يعتمدها الفنان تُظهر تفاعلًا مع الجاذبية والزمان والمكان، وهي محورية لفهم كيفية تأثير أعماله على المشاهدين.

كما أن الفلسفة الجمالية التي يرتكز عليها "تشونغ لو" في أعماله، حيث يتناول المفاهيم المتعلقة بالعدم والوجود والحركة والسكون. الفنان يستخدم الماء كرمز للحياة، بينما يستكشف كيف يمكن للمادة أن تعبر عن أفكار معقدة حول الوجود والتغيير. هناك استكشاف لمفهوم "اللامكان" و"اللازمان" وكيف أن أعماله الفنية تتجاوز الحدود التقليدية لتقديم رؤى جديدة حول هذه الأفكار.

أردت توضح كيف أن أعمال "تشونغ لو" تتلاعب بالضوء والمادة لإنشاء تجارب بصرية غير تقليدية. التفاعل بين الضوء والظلال، والحركة والسكون، يعكس عمق الرموز التي يحاول الفنان التعبير عنها. يستخدم الفنان التموجات والانعكاسات لإبراز التناقضات الثنائية والقدرة على خلق جماليات تتجاوز الرؤية التقليدية.

تركت أسئلة فلسفية وعلمية حول قدرة الفن على التقاط لحظات الحياة من الجماد، ومدى تأثير فلسفة "تشونغ لو" على فهمنا للطبيعة والوجود. يتم فحص مدى إمكانية الجمع بين الفن والعلم في تعبيرات "تشونغ لو" وكيف يمكن لعمله أن يقدم رؤى جديدة حول مفهوم الجمال والتغيير.

أظهرت تنوعاته في الأساليب والتقنيات التي يعتمدها "تشونغ لو"، لكنه يتطلب أيضًا نظرة نقدية حول مدى فعالية استخدامه للماء والضوء كمفاهيم رمزية. يمكن القول إن الفنان يتعامل مع موضوعات فلسفية معقدة قد تكون صعبة الفهم في البداية، لكن ربما هذا المقال الصحفي ينجح في تقديم هذه المواضيع بشكل مبسط وقابل للتفسير.

ربما أكون استطعت تسليط الضوء على كيفية استفادة الفن من العلوم والفيزياء لإيصال رسائل جمالية وفلسفية. يبرز قدرة "تشونغ لو" على استخدام تقنيات متعددة لخلق تأثيرات بصرية تعزز من فهمنا للأبعاد الفلسفية العميقة المرتبطة بالوجود والحركة.

dohamol67@gmail.com