مساحات مصبوغة بالهواجس والإيحاءات القلقة

ضحى عبدالرؤوف المل

تطوف الألوان في أعمال الفنانة "باسمة عطوى" وتتلاشى كما أرواح الموتى الذين حصدتهم الثورة السورية. إذ تحاكي "باسمة عطوى" في معرضها الأرواح الهائمة بتيه تستدركه الحركة في لوحات تدرجت فيها الألوان بكثافة شديدة في مساحات مصبوغة بالهواجس والإيحاءات القلقة الباحثة عن مستقر لها بثبات وسكون وجداني يميل نحو الولوج إلى الصمت اللوني المحاكي الذهن بتأثرات الفواتح والغوامق التي تتلاعب بها بمنطق السكينة التي يتركها الموت أو الحاضر الغائب في الحياة، وإن بتجاوُزات للحدود الصارمة للفن التشكيلي الذي تخطو عنه بنوازع تفاصيل الحياة المحسوسة في أعمالها، مازجة بين الأساليب الفنية تبعًا لأحاسيسها اللونية وللفكرة الموضوعية التي تنطلق منها في تجسيد اللوحة.

تتشح لوحات الفنانة "باسمة" بعاطفة اللون وثورته، وتمجد الأحمر الثائر والمستنكر في تعابير داخلية تأخذنا نحو الثورة السورية بكل عواملها السيكولوجية ومعانيها، وإن بتطلعات ثورية تضج بالبعد عن المعايير المدرسية لهذا الفن. إلا أنها تجذب البصر نحو محورية الفكرة بسرد منسوج حركيًا، وبفنتازية تشع بالأمل والإبحار نحو الغد أو المستقبل الذي تتركه سابحًا في فراغات اللوحة، المحبوكة بطبقات اللون وشدّته والدور الإيجابي الذي تظهره الريشة في تحررها بالبعد عن المقاييس الكلاسيكية، تاركةً لسذاجة الحس عند المتلقي التقاط الأبعاد الفكرية التي تريد إيصالها إليه بجمالية تشكيلية تحاكي من خلالها القهر والموت، والعدم بالوجود والجمال والأمل، وبرؤية فلسفية لمعنى الحضور الغائب الذي يستمر كالاطياف اللونية في لوحاتها.

تناجي "باسمة عطوى" الإنسانية بعصف تتباين من خلاله الحوارات الداخلية المتذبذبة بين البقاء والرحيل أو التقوقع في واقع تتمرد عليه بمخيلتها دون الانفصال عن الشكل، إنما بمسحه حسيًا، ليبقى ضمن الغموض الذي تتركه كعلامات تعجب ترتكز على قوة التذوق الفني عند المتلقي، لأنها تركت للتجانس والتجرد والمحاكاة واقعًا مختلفًا في لوحاتها بتعبير مزجته مع صراعات الإنسان الداخلية والخارجية. إن في النفس أو خارجها أو حتى ضمن الثورة اللونية بشيء من التطابق الواقعي، الإيحائي الذي يحتد ويضطرم مع الخطوط التي تواجه بها اللون بصريًا، وبتعبير يأخذ أشكالًا مختلفة في لوحاتها القادرة على خلق حالة من الازدواجية تشمل التغيرات الاجتماعية والسياسية أو حتى الإنسانية، وبمعانٍ مختلفة ترتبط بدرجات اللون وتضاده وتجاوره، وتحاوره بحيوية ووعي سردي ينم عن وجدانية شاعرية، ونفحة حسية اجتماعية تستنكر من خلالها ما يحيط بها من تأثرات تجتاحها، تجعلنا ندرك من خلالها المعنى لكل تخيلاتِها الواقعية تعبيرًا وضمن تجريد مجزأ خلطته مع خصائص فنية تطغى على أسلوبها. معرض أول "لباسمة عطوى" يترك في النفس انطباعات عن فنانة جندت حواسها لمنح ريشتها قوة اللون أو بالمعنى المجازي قوة الكلام عن الثورة التي تتخبط ألوانها بين السلبية والإيجابية، ليبقى اللون الأحمر حياديًا بقوته وشدته وكأنه ضحايا الحروب عبر العصور.

في عالم "باسمة عطوى"، تتجلى التجارب الإنسانية في شكل من الألوان، حيث يتداخل الوجداني بالمرئي في قماش اللوحات. لم تكن لوحاتها مجرد انعكاس للألم أو الثورة، بل كانت رحلة استكشاف للذات الإنسانية وما يعتمل في أعماقها من مشاعر متناقضة. كل لون على قماشها يشكل نبضة من القلب، وكل تدرج لوني يحكي حكاية عن صراع داخلي أو حلم مفقود.

لقد نجحت "باسمة عطوى" في خلق مساحة تتجاوز حدود اللوحة التقليدية، لتصبح كل قطعة فنية منها مشهدًا دراميًا مفعمًا بالحيوية والتوتر. فهي لا تسعى فقط لتوثيق الأحداث، بل لتمثيل عمق الأحاسيس وتجسيد التجربة البشرية بطريقة تعكس كنه الإنسانية بكل تعقيداتها. تتلاقى خطوطها وألوانها في مشهد واحد، مبرزةً تعقيدات الأحاسيس وتداخلاتها، لتخلق لغة بصرية تتحدث بصوت عالٍ عن القصص التي يرويها الإنسان في صمته.

في كل لمسة ريشة، هناك صدى للثورة والأمل والقلق، وهناك دعوة للتفكر والتأمل. لقد قدمت "باسمة عطوى" رؤيتها الفريدة لعالمنا من خلال لوحاتها التي تسرد قصصًا ليست مجرد تفاصيل بصرية، بل تتعداها إلى لحظات من التأمل العميق في معنى الوجود والموت، والحياة ما بينهما. هي دعوة لنا جميعًا للبحث عن الجمال في التفاصيل الصغيرة، وللمقاومة في مواجهة التحديات بجرأة وصمود.

المعرض الأول لـ"باسمة عطوى" هو بمثابة شهادة على قدرتها الفذة في توظيف الفن كأداة للتعبير والتغيير. لقد نجحت في استحضار روح العصر وتعبيرها بلغة لونية تتجاوز المألوف، مما يجعل أعمالها تتحدث بصوت عالٍ عن أحلام وآلام الشعوب. وكل لوحة منها تظل نافذة تطل على عالم مليء بالألوان والرموز، تذكّرنا بأن الفن ليس فقط وسيلة للتعبير، بل هو أيضًا أداة للتغيير والفهم الأعمق للطبيعة البشرية وما تمر به.

في النهاية، تظل أعمال "باسمة عطوى" بمثابة مرآة تعكس واقعًا معقدًا وتفتح لنا أبوابًا جديدة لفهم الذات والعالم من حولنا. هي شهادة حية على قدرة الفن على التأثير العميق وتغيير الفهم وتوسيع الأفق، وتبقى لوحاتها تحكي قصة لم تنته بعد، بل هي دعوة للمشاركة في سرد تلك القصة بكل تفاصيلها وألوانها.

dohamol67@gmail.com

Doha El Mol