مستويات الخطوط وإيقاعاتها في لوحات الفنان "خالد ألمز"

ضحى عبدالرؤوف المل

تنسجم مراحل الاختلافات اللونية مع الأشكال التي تتمايز بتعبيراتها الداخلية وطرائق تجسيدها ضمن الأبعاد المتأثرة ببنائية الجسد ومقاساته، واستجابة الريشة لمسارات التدرج الفني المتفاوت في تطلعاته الحركية، وعبرتغيرات الداخل والخارج، والفراغات المدروسة بمرونة وتحرر. لندخل إلى الواقع بإيحاءات التجريب المتداخل مع الأساليب التي تختلط فيها الرؤى، وبأنوثة الألوان وشفافيتها المرتبطة بالمرأة، ووحدة التشكيل وتوحده مع السياق النفسي بوعي درامي يميل نحو الأداء الذي تتقمصه الريشة قبل أن تنطلق في التأليف، ووحدة النغمة اللونية البسيطة والمعقدة في آن. إذ يضع الفنان "خالد ألمز" المتلقي أمام فكره والفضاءات الوجدانية التي تتصف بموضوعية المخيلة الفنية التي تترجم معانيه المتغلغلة في عمق اللوحة.

يعتمد الفنان "خالد ألمز" على الاصطدام بالضوء، ليبرز قوة الجسد أو بالأحرى الشكل في اختراق الضوء، لترتسم الحركة في ظل إيحائي ينمو داخل المفردة الفنية التي تقترن بإيقاع اللون وتدرجاته، وأشكال تستنسخ بعضها البعض، كأنها تتراقص مرئيًا تحت ظلال الضوء، وبتشظي وهمي يشعر المتلقي من خلاله بأشكال تعيد بناء نفسها عند إعادة النظر إلى اللوحة أو بالأحرى التعمق فيها، لتخرج المرأة متحررة من انعزالية لم يفرضها "خالد ألمز"، إنما ترك لإنسانية الفكرة الخروج من التصوير إلى تقنية أخرى تتوالد منها الأشكال بشاعرية تصويرية يقظة في دراميتها كقصيدة ذات إحساس تعبيري، وموقف من حدث تركه يتراءى بوعي تشكيلي، وبدرجات متفاوتة، ومن البسيط إلى المعقد وبالعكس، معتمدًا على تكثيف الإيحاءات، منتقلًا من الواقع إلى التخييل وبتنقلات انعكاسية في منظورها وأنماطها وطرائق حركتها. إن من خلال اللون أو الخط أو الشكل برمته، وكأنه ينحت أولاً ومن ثم يترك للضوء ترجمة الباقي.

تتماسك الأشكال وتحقق بفروقاتها لمسة مجازية بعيدة عن التقليدية، بتجاوزات ترتبط حسيًا بالوعي السردي المبطن بنغمة تضج فكريًا بالوجود الإنساني برمته، مما يمنح المتلقي تأملات يتوجها بمزيج من الالتحام مع إنسانية اللوحة أولاً، ومن ثم نظمها المرتبطة بكينونة الحياة التي يرمز لها بالتعتيم اللوني أو سبغ الفواصل بظل يتم إدراكه بصريًا تبعًا لحواس الرائي، وبدقة تعتمد على خلق دراما تشكيلية جدلية في رؤاها وأفكارها التفاعلية ضمن تناقضات الواقع، وتعددية الإنسان بمختلف مراحله الزمنية والمكانية، وحتى الشعورية منها بتحاور وتجاور تطغى على كل منهما صراعات مبطنة بدمج شكلي (عضوي) وبتوظيف عناصر اللون والخط رأسياً أو أفقيًا وبفوارق كبيرة بينهما، ليخلق انعكاسات بسيطة أو مركبة ويبث تساؤلات إنسانية مخفية في عمق اللوحة، مما يمنحها درجة عالية من الإحساس الفني.

نضج فني تشكيلي في لوحات الفنان "خالد ألمز" ارتقى مع الضوء بتماثل أو ازدواجية الريشة والحركة، والتوازن مع الفاتح والغامق والتأرجح بينهما، كأنه يؤرجح العواطف الإنسانية بأسلوب غير مباشر ينم عن تصوير إيحائي واقعي في جزء كبير منه، وبالتزام أيديولوجي ينبع من قوة تصوره للواقع الإنساني الذي يعيد نفسه وباقتدار تشكيلي جمالي في مستويات أساليبه.

في قراءة أعمال الفنان "خالد ألمز"، نكتشف أننا أمام تجربة فنية تتجاوز حدود التقليد لتغوص في أعماق التشكيل الحديث بجرأة وشجاعة. أعماله تُمثل رحلة بصرية تغري المتلقي بالتفكر في تفاصيل لم تكن لتخطر على بال أحد، وتُثري الوعي الفني بأساليب غير تقليدية تنبض بالحياة.

تتميز لوحات "خالد ألمز" بتناغم بين الخطوط والألوان، حيث يخلق تباين الألوان تأثيرات بصريّة تُبرز عمق التعبير الفني. يتقن الفنان مزج الألوان بخبرة تُمكّنه من تشكيل مساحات لونية تتناغم مع الخطوط، فتُنتج إيقاعات بصرية تشد الانتباه وتدفع العقل إلى التأمل في المعاني الكامنة وراء الصورة. يظهر هذا التفاعل بين الألوان والخطوط في تعبيرات الأشكال التي تتداخل وتتشابك، مُشكلةً نسقًا فنيًا مليئًا بالديناميكية والتجريبية.

لا تقتصر قوة أعمال "خالد ألمز" على التقنية فحسب، بل تمتد لتشمل العمق النفسي والوجداني الذي يطبع لوحاته. يُعبر الفنان عن رؤيته للواقع من خلال مزيج من الواقعية والخيال، حيث يُعطي للخطوط والألوان دورًا متكاملاً في نقل الإحساس بالمساحات النفسية التي تعكس الصراعات الداخلية والتجارب الإنسانية. هذا التوازن بين الجمالية والتجريب يُعيد تشكيل المفاهيم البصرية التقليدية، مما يخلق تجربة فنية مشوقة تُحفز الفكر وتفتح أبواب التأمل العميق.

تبرِز أعمال "خالد ألمز" قوة التعبير البصري الذي لا يخشى الابتكار، ويُقدم للمتلقي رؤى جديدة تتحدى التصورات المألوفة. وبذلك، يعزز الفنان من تأثيره كقوة دافعة في عالم الفن التشكيلي المعاصر، مُثريًا إياه بأسلوبه الفريد وإحساسه العميق بالجماليات.

dohamol67@gmail.com

Doha El Mol