الشكل الطبيعي للأشياء التي تتعرض للكثير من العوامل البيئية

ضحى عبدالرؤوف المل

يحافظ الفنان "عمر فاخوري" (Omar Fakhoury) على الشكل، تاركًا سطوح لوحاته تتنفس الضوء عبر نظرية الجمال العفوي، الذي يلتقطه من الحياة مباشرة، مقتطعًا من التخيلات ما يرتبط بالواقع، وذلك بأساليب تجردها من الرؤية التأليفية المصممة مسبقًا. لتكون لوحاته هي نظرية الضوء على الأبعاد المادية، وبتكوينات تتخذ بأشكالها وألوانها مشاهد تعيد إلى الذاكرة المدن المهشمة أو تلك التي تعيد البناء بذاتية جمالية تحيط بما هو دون التفاصيل التي نشعر بها زمنيًا. فالأمكنة التي يمنحها الفنان "عمر فاخوري" رؤيته الجمالية هي لأزمنة تترجم الألوان قوتها، وبخصائص بيئية معينة يبرزها بأسلوبه السردي في تصويرات ذات تغيرات مختلفة في الكتلة الطوباوية، وبهيكلية تعيد إلى الذاكرة الكثير من المحن التي مرت وتركَت آثارها في الذاكرة البصرية.

إدراك بصري للموروثات الفنية المعاصرة، وبزوايا متعددة الأبعاد، وبفصل بين المساحات مع الحفاظ على اختلاط العناصر الفنية العميقة في تفاصيلها العفوية التي يشعر بها المتلقي. وذلك بتجرد مع الشكل الطبيعي للأشياء التي تتعرض للكثير من العوامل البيئية أو الزمنية، وبتركيز على طبقات اللون ودرجاتها. فتخدشات الريشة وانفعالاتها تتوازن مع الظل والضوء ضمن فروقات تترك البصر في نشوة تثير التساؤلات أمام لوحات ما هي إلا معاني غير متطابقة مع المفاهيم الجمالية الخارجية، وإنما تهدف إلى خلق منطق تشكيلي عقلاني يرتكز على الجمع بين الإثارة البصرية والعاطفة التأملية للأشياء المستحدثة من الأزمنة والأمكنة.

لوحات تثير جدليات انطباعية في النفس لما تمثله من مفاهيم تشكيلية غريبة في طروحاتها، وإنما هي تكثيف لعنصر المكان الذي يستنبطه الفنان "عمر فاخوري" من الذاكرة، ويضعه كجدارية طبيعية مر عليها الزمن، فانتفضت وارتسمت تخيلاتها الانعكاسية عبر الضوء، والأبعاد، والزوايا، والخطوط، والكثافة، والتدرجات مع الكتلة البارزة في العمق الهرمي أو الضوئي، وكأننا في شوارع مطلية أو أمام جدران ذات خربشات تكاثرت عليها الأحداث، وبجمالية فنية أضاف عليها نكهة الفن بأبعاده وجدلياته ونظرياته.

يقدم الفنان "عمر فاخوري" حضارته الفنية الخاصة بفلسفة غمرها بمفهوم القديم الجديد وفق علامات بسيطة، وبعبقرية ريشة تدغدغ ملكة الجمال مع الأزمنة المجهولة ظاهريًا، والمعلومة في ذاكرة طُمست تفاصيلها، وأظهرت بصريًا ما نخطه على جدران الحياة من تفاصيل تضعنا وجهًا لوجه مع الحقائق المختبئة في النفس. فالحركة تركها مع الضوء والخطوط، وكأن اللوحة متوقفة بين المكان والزمان، وبنضج فني يتحدى به الذات التشكيلية، وبتركيز محوري على الأبعاد المحتفظة بمعادلات داخلية وخارجية ذات رسومات تتماثل فيها الزخرفات اللونية الفاتحة والداكنة، وبسمفونية حضارات الماضي والحاضر الممزوجة بالمعاناة الصامتة التي تتركها الريشة مع الخطوط وطبيعتها في تحديد المسارات الطاغية على مؤثرات الضوء والظل.

عبر عالم الفنان "عمر فاخوري"، نجد أنفسنا أمام تجربة تشكيلية تعيد تعريف العلاقة بين الضوء والزمان والمكان. تكشف لوحات فاخوري عن عمق الفهم العفوي للطبيعة والتأثيرات البيئية، متجاوزة الأطر التقليدية للفن لتدخل في مجال تجريدي يتلمس أرواحنا من خلال الألوان والخطوط التي تتفاعل مع الضوء والظلام بشكل يثير الإعجاب.

عبر استخدامه المبتكر لتقنيات متقنة وتفاصيل دقيقة، ينقل فاخوري تفاصيل الحياة اليومية إلى لغة بصرية تمتزج فيها اللحظات العفوية مع التركيب المنهجي. تعكس لوحاته قوة الألوان وتفاعلها مع خصائص البيئة، مما يعيد لنا ذكريات المدن القديمة والتجارب الإنسانية التي شكلت ماضينا. يسهم في هذا السياق إدراكه الفريد للموروثات الفنية وجعلها تتناغم مع رؤيته الشخصية التي تجمع بين الواقع والخيال.

إن كل لوحة من لوحات "عمر فاخوري" ليست مجرد تعبير بصري، بل هي دعوة للتأمل في جدليات الجمال والتاريخ. تندمج فيها الرموز والتجريدات لخلق تجربة بصرية غنية تتسم بالعمق والتجديد. ومن خلال هذا الدمج بين القديم والجديد، يخلق فاخوري حالة من النشوة البصرية التي تدفع المتلقي لاستكشاف أبعاد جديدة للفن، حيث يصبح كل تفصيل وكل لون تجربة شعورية بحد ذاته.

بهذه الطريقة، يُظهر "عمر فاخوري" كيف يمكن للفن أن يتجاوز حدود الإبداع ليصبح نافذة إلى أعماق النفس الإنسانية، مشكلاً بذلك إضافة قيمة إلى المشهد الفني المعاصر. إن رؤيته المتجددة ومهارته الفائقة في التعامل مع الألوان والأشكال تمنحه مكانة فريدة في عالم الفن، مما يجعله واحدًا من أبرز الفنانين الذين يسهمون في إثراء تجربتنا البصرية والفكرية.

dohamol67@gmail.com

Doha El Mol