متاهة بصرية استقرائية عميقة في رؤاها الفنية

ضحى عبدالرؤوف المل

يلجأ الفنان "شارل خوري" (Charles Khoury) إلى لعبة ذهنية تشكيلية في تفكيك اللون وتركيب الخط عبر متاهة بصرية استقرائية عميقة في رؤاها الفنية. إذ تجسد بتشكيلاتها المنفصلة والمتصلة الحضارات الكونية ولعبة الحياة بمدلولها العام من حيث متانة الخط الذي ينطلق بترجمة الانفعالات الواعية بمساراتها التشكيلية المتوافقة مع انفعالات اللون الصارخة في تدرجاتها، والنارية في توهجها حين تبتعد عن الخط وتلامس المعنى المنطلق من ذاكرة طفولية تستبطن بعوالمها الوجود الإنساني بأكمله. فهل يحاول "شارل خوري" استخراج المكنون الطفولي بوعي تشكيلي يجسد بتخيلاته حكايا الحياة؟

فن يعيد إلى الذهن الرسم الخام عبر مشهديات تصرخ بأحداث تتشابك، وبخصائص فنية تستند على ضوابط إيقاعية يتركها الفنان "شارل خوري" للعزف على الخط، مستبعدًا اللون عن عقلانية الخط وقوته! ومنظوره البصري في خلق مؤلفات هي نوتات تشكيلية تتواءم مع المحاكاة وعفوية الشكل الذهني الذي يستخرجه المتلقي عبر الحوارات الداخلية التي تختزنها اللوحة، وتبرزها عبر خيوط تتسرب ضوئيًا مع فروقات اللون وبروز الأحجام وتناقضاتها، لتتكون الفراغات بصمت يثير دهشة العناصر الأخرى الداخلية منها والخارجية، كخدعة بصرية تميل إلى مزج المدارس الفنية في بوتقة العودة إلى بدايات الفن التشكيلي والرسم على الجدران بتعبيرات تخرج تلقائيًا من النفس التواقة إلى الجمال.

عوالم متخيلة ذات إشارات مختلفة في رمزيتها أو تعبيراتها أو حتى خربشاتها الطفولية، وانتفاضاتها الازدواجية بين السكون والتوهج، والصخب الذي تستأنسه الحواس، وتفكك خطوطه كخيوط يتركها لتترجم أحاسيسه الذاتية بموضوعية يبحث من خلالها عن الوجود برمته، وكأن العالم في نفس كل منا هو صنيعة تخيلات يرسمها بلا نهاية، وبدون حدود تأويلية للأشكال التي يتركها كعلامات تعجب. وما بين الانسجام والاحتجاب، لغة استبطنها بتصويرات جدلية تقود الفكر نحو قراءة الوجود بعفوية التشكيل وقدرته على حبك التخيلات، لتوليد قدرة الحدس الباطني للاستنارة بالتأويلات ومعانيها وبتناهي عقلاني يثير الدهشة وفق المعنى والإشارة والفوارق في الخطوط وماهيتها، وقدرتها في فصل الواقع عن المتخيل وبالعكس مع الحفاظ على الانعكاسات الضوئية وتراخيها أو صعودها وهبوطها لخلق توازنات بين الكتل والفراغات أو بالأحرى الأحجام اللونية وفراغات الأشكال. فهل حافظت لوحات "شارل خوري" على المعنى الانفعالي للون وعلى المبنى المرتبط بعقلانية الخط؟

إن إبداعات "شارل خوري" تتجاوز حدود التشكيل التقليدي لتغوص في أعماق التجربة الإنسانية عبر عدسة فنية فريدة. يجسد خوري من خلال أعماله تصورات بصرية مستندة إلى منهجية تفكيك اللون وتركيب الخط، محققًا توازنًا دقيقًا بين الانفعالات العاطفية والأبعاد البصرية.

تُعد تصاميمه بمثابة رحلات تأملية في عالم التباين والتناقض، حيث يعيد بناء الذاكرة الطفولية لتكشف عن أبعاد جديدة من الواقع. في لوحاته، تتشابك خطوطه بألوانه وتدريجاتها لتشكل مزيجًا من الرموز والمعاني التي تسعى لفهم أعمق للوجود. هذه العناصر تتجسد من خلال تعبيرات مكثفة في الألوان والتفاصيل، مما يمنح المتلقي تجربة بصرية لا تُنسى.

إن التوازن بين الخط واللون في أعماله لا يأتي فقط كوسيلة تعبيرية، بل كدعوة لاستكشاف العوالم الداخلية. من خلال التلاعب بالأحجام والتباين، يخلق خوري فراغات بصرية تثير التأمل وتسمح للمشاهد بإعادة تأويل العناصر بطرق متعددة. كما يُحاكي تداخل الضوء والظل في لوحاته، مؤكدًا على أهمية التباين ليس فقط كعنصر بصري ولكن كأداة للتعبير عن المشاعر والتجارب البشرية.

الرموز والخربشات الطفولية التي يدمجها في أعماله تعكس حالة من الإبداع الخالص والبراءة، مظهرة التوتر بين السكون والحركة، والتوهج والصخب. هذا التناقض يعزز الفكرة القائلة بأن الفن ليس مجرد وسيلة للتعبير، بل هو تجربة حية تُشرك المتلقي في حوار مستمر مع العمل الفني.

في النهاية، يمثل "شارل خوري" عبر أعماله فضاءً ديناميكيًا يعيد تعريف حدود الفن التشكيلي. يتيح لنا فرصة لاستكشاف طبقات متعددة من الواقع والخيال، مما يجعلنا نعيد النظر في كيفية ارتباطنا بالعالم من حولنا. من خلال تقديمه لأسلوب فني يجمع بين التلاعب البصري والعاطفي، يخلق خوري تجربة فنية تعكس التفاعل العميق بين العقل والقلب، وتعيد فتح أبواب التأمل والتساؤل في عالم الفن.

dohamol67@gmail.com

Doha El Mol