أسلوب تعبيري بمنحى بصري مقروء من عدة زوايا

ضحى عبدالرؤوف المل

ينتقد الفنان "ميشال الهاشم" (Michel El Hachem) بفلسفة تشكيلية المظاهر الخارجية المتكلفة في بهرجتها، باحثًا عن معنى السعادة الحقيقية التي فقد مصداقيتها الإنسان من خلال ريشة مغمسة بمفاهيم ثقافية نتجت عن صراعات النفس في انفتاحها الذاتي نحو العالم، مما ترك أثرًا على لوحاته التشكيلية المتلونة بتعبيرات حررها من بوتقة الواقع وزيف الوجوه التي يلتقط تعبيراتها. فيستبطنها بضبابية وألوان تنفصل أحيانًا لتكون بمثابة فترة زمنية يرفض الدخول فيها، وهي الانفتاح بمفاهيمه العامة والخاصة. وكأنه لا يريد الدخول إلى عالم الوعي الذي يضج بالزيف والادعاء، مترجمًا ذلك بالعديد من الرسومات المتأثرة بعدة قراءات ملموسة في أعماله وجمالياتها الثقافية، بلغة الفن التشكيلي وأساليبه المختلفة.

تتميز لوحات "ميشال الهاشم" ذات الأسلوب التعبيري بمنحى بصري مقروء من عدة زوايا، بسبب البعد الفني بين المضمون والأسلوب، لتجسد بكل لوحة خطابًا إنسانيًا، وبازدواجية ذات صعوبات اضطربت فيها الألوان بصريًا بين التضاد والانسجام. بتغاير وتجاوز المعايير الفنية المحدودة، منطلقًا نحو لا نهائية الشكل ومعناه الجوهري، متناغمًا مع قناعاته التي يبثها في أوجاع المجتمع بشتى التعبيرات المنفتحة على عصر العولمة أو الحداثة. لأنه تحرر من عنصر التقليد بالرفض التام للواقع حتى في اللغة التشكيلية، واختلاطها بالمنظور الحياتي الذي يقدمه باستسهال يتضمن التحليلات البصرية لكل حركة خط يدمجها مع اللون أو يفصلها عنه، بتأجج انفعالي ما زال ينقصه عقلانية النظرة التي يتخذ منها فلسفته الفنية، التي تنبئ بفنان يميل نحو نزعة السخرية من الواقع بدمجها مع الألم والتطلعات الشبابية التي اصطدمت بالحياة.

تعبير منطقي ساخر في لوحات طمسها بغموض فني يساهم في التأكيد على رفضه للغة الواقع الاصطناعي الذي بات يغزو العالم. عبر مفارقات مفعمة بالإيحاءات، وبمؤثرات لعب فيها تدرج اللون دورًا مهمًا في خلق فروقات تستحق إلقاء الضوء عليها، لتكون كنص بصري يستنكر ما يجري في العالم. وكأنه ما بين الرفض والقبول، ترك لريشته التذبذب والتكرار المسبوق بإيقاعات الأشكال التي تختزن أوجاع الفكرة ومزاياها الفنية النابعة من سرد وجداني مرتبط بالانتقاد المقترن بالفوضى الخارجية التي يعاني منها الإنسان أولاً وتتأثر بها الإنسانية بأكملها.

لوحات موشاة بالزيف الإنساني وتكراره لعناصر التقليد والتجديد، وكأنه بين الشباب والنضوج يبحث عن حقيقة الوجود في طفولة ضاعت وغير ملموسة إلا في شغب الأشكال التي يتلاعب بها. باستحداث لواقع تشكيلي تركه يحاكي البصر دراميًا وببعد ذي ملامح تقطعت معها الأحاسيس المرتبطة برمزيات اللون، كالفرح والحزن والتشتت والإنسانية والفضاءات التخيلية التي ترفض الاستسلام للواقع، وفتراته العمرية بإرهاصاته ومشاكساته وتحدياته وحتى مفارقاته غير المألوفة والموحية بالعوالم الافتراضية وانعكاساتها على الإنسان وزيف وجوده.

في عالم الفن التشكيلي المعاصر، يبرز الفنان ميشال الهاشم كصوت مبتكر يثري المشهد الفني برؤية متميزة تتجاوز حدود التقليدية، معبرًا عن صراع داخلي عميق من خلال لغة بصرية معقدة. لوحاته ليست مجرد أعمال فنية بل هي تجسيد لأفكار فلسفية وتعابير نفسية تنبض بالحياة، مما يجعل كل قطعة منها بمثابة نافذة تطل على عالم متشابك من المشاعر والتناقضات.

تتميز أعمال الهاشم بأسلوب تعبيري يتميز بتقنيات فنية متطورة تعكس تحليله العميق للمجتمع والإنسانية. تبرز أعماله من خلال التلاعب المبتكر بالألوان والأشكال، حيث تستخدم الألوان بشكل تجريدي يربط بين الواقعية والتجريد، مما يمنح المشاهد تجربة بصرية مزدوجة تدمج بين الحقيقة والخيال. يخلق الهاشم تباينات قوية بين الألوان التي تعكس الصراع الداخلي والتناقضات التي تميز الإنسان المعاصر.

مما يميز أسلوب الهاشم هو قدرته على إدماج الرموز الثقافية في لوحاته، حيث يستدعي مفاهيم اجتماعية وثقافية معقدة ويتناولها بطريقة تتجاوز النمطية. يستخدم الهاشم عناصر من التراث والتاريخ لإضفاء طابع درامي على أعماله، مما يتيح للمشاهدين إعادة تقييم القيم والمعتقدات المألوفة. هذا المزج بين الأساليب التقليدية والحديثة يعكس إبداعه ويعزز من تجربة التفاعل مع لوحاته.

الهاشم لا يقدم فقط نقدًا اجتماعيًا بل يطرح أيضًا تساؤلات وجودية تتعلق بالسعادة والوعي. من خلال تباين الألوان واستخدام التقنيات التجريدية، يدعو المشاهدين للتأمل في معاني الحياة الحقيقية ويدفعهم للتفكير في كيفية التوفيق بين الذات والعالم من حولهم. إن أعماله ليست مجرد تجسيد لرؤيته الشخصية بل هي دعوة لاستكشاف أبعاد جديدة للفن، مما يجعلها تجربة فنية غنية ومعقدة تستحق التأمل والتقدير.

dohamol67@gmail.com

Doha El Mol