رخامية التعرجات ورمزية ألوانها في أعمال الفنانة علا الأيوبي

ضحى عبدالرؤوف المل

تنطبع حسية معالم الواقعية وصرامة تأثيراتها الانطباعية على أعمال الفنانة السورية "علا الأيوبي" (Aula Al Ayoubi). إذ تحمل هم المرأة وصراعات النفس برمزية تميل إلى فلسفة الوجود بدهشة تساؤلية، وبالأحرى انتقادية بصرياً من حيث الابتكار في الخطوط، ورخامية التعرجات الرمزية للألوان وتراكيبها الزخرفية التي تميل إلى نحت اللون، والتحرر من مخاوف البوح بمشاركة بصرية لما يحدث في سورية، وتتأثر به المرأة مبتعدة عن سموم التقاليد الموروثة من أقوال لا تنتمي إلى الحياة الواقعية، إنما تقود الإنسان نحو القيود كأخاديد تحفر ذاتها بتوازن رمزي ما بين المقدس والمدنس، فتستخرج من الحياة ما يضع المتلقي أمام الحقائق وجهاً لوجه وبجمالية تشكيلية ذات تخيلات انسيابية، وتناغم عاكساً معنى التضاد بالاختلاف والائتلاف كالرمان الأحمر والأزرق، والعلوي والسفلي، ورفض كل ما ينتمي إلى الخرافة بفنتازيا مشبعة بألم الحياة معتمدة على المرأة كأساس للحيوية، وللعناصر الجمالية التي تظهر قيمة المعنى والأسلوب معاً. فهل الوجع الإنساني مما يحدث في سورية له التأثير الأكبر على مواضيع لوحاتها؟

الوطن والمرأة ووجه كالخارطة الرخامية التي تترجم انفعالات الوجود الموجوع، فما بين الأزرق والأحمر امتد الأخضر بغموض كعروق اشتعلت بها اللوحة. لأن المتناقضات البصرية بين صغير وكبير، وعلوي وسفلي، وانعكاسية الألوان، تركت للمفاهيم الرياضية عناوينها الخاصة من حيث الإتقان في رسم جغرافية اللوحة بأساليب متعددة، وكأن اللوحات حيوات تشير إلى أزمان لها ثقافتها، ولا تتناسب مع زمن زادت الصراعات فيه وباتت رسوسات المقدس والمدنس الشغل الشاغل، وبرمزية غارقة بالانطباعية الحسية، وبمساحات تتفرد بالوجود الأقوى الذي يتمثل بمعاني المرأة، وما تمثله الفاكهة في الأقوال والمرجعيات والمقدسات. لتكون اللوحة بمثابة نص بصري تحاور به الرائي بفن غرائبي ساخر نوعاً ما.

تسترسل ريشة "الفنانة علا الأيوبي" بخلق ديمومة للحياة من خلال التمسك بالرموز وآلية تمثيل اللون لمعنى الاستنكار والصرخة المكبوتة للبحث عن أسرار الطقوس ومرادفاتها بلباقة فنية تشكيلية تجذب الحواس إليها. وتترك المتأمل غارقاً في نهجها اللوني وبدلالات ازدواجية لها موضوعيتها واحتجاجاتها على الكثير من السلوكيات الإنسانية التي نتجت عن الثورة، وبتنوع الخطوط بين تعرجات وهندسيات ومفاهيم رياضية. ليقتصر اللون على الرمز بمعانقته للشكل الذي يشير كل منهما إلى أشياء محسوسة وجدانياً وعقلياً، وفي حالات متعددة من القوة والضعف وعدم الاستهام بالمرأة ورموزها والوطن وقوة صبره في مقاومة كل ما هو حدسي تتأثر به خارطة الزمن.

تُعَدّ الفنانة السورية علا الأيوبي واحدة من أبرز الأسماء التي برزت في عالم الفن التشكيلي بفضل تميزها الفريد في استخدام الأساليب الانطباعية وتطويرها لتقنيات تعبيرية ترتبط بالواقع المعاصر. تجمع الأيوبي في أعمالها بين الجمالية الانطباعية والتأملات الفلسفية العميقة، مما يمنح لوحاتها بُعدًا روحانيًا يعكس تجربة الإنسان الحية والصراعات الداخلية.

تتجلى براعة الأيوبي في قدرتها على دمج الألوان بتقنيات تعبيرية تميل إلى الانطباعية، حيث تستخدم التدرجات اللونية والنقوش لخلق تباينات تعكس عمق المشاعر الإنسانية. تتميز لوحاتها بالقدرة على تقديم تجربة حسية متميزة؛ فالألوان المتدفقة والتعرجات الرخامية التي تستعملها ليست مجرد عناصر زخرفية، بل تُمثّل تجسيدًا للصراعات النفسية والوجودية التي تواجهها المرأة في السياق الاجتماعي والسياسي الراهن.

تميل الأيوبي إلى استخدام الرموز في أعمالها لتعبير عن فلسفة الوجود والحياة. فالرموز التي تطرحها تعكس صراع الإنسان مع واقع مزدوج يجمع بين المقدس والمدنس، وتطرح تساؤلات فلسفية عن معنى الحياة والألم. من خلال استخدام الألوان الجريئة والتعابير الفنية الحرة، تخلق الأيوبي مشاهد انطباعية تثير التأمل والتفكير في معاني أعمق وراء الظواهر المرئية.

تُعَبر أعمال الأيوبي عن التوتر الداخلي والخارجي بطريقة فريدة؛ فهي تُظهر التناقضات بين القوة والضعف، الأمل واليأس، مما يعكس الوضع الاجتماعي والسياسي في سورية. كما أنها لا تتوانى عن استغلال الأساليب الفنية لإبراز الصراعات الثقافية والاجتماعية، مما يجعل لوحاتها بمثابة مرآة تعكس واقعًا مليئًا بالتحديات. التكوينات الهندسية والعضوية التي تستخدمها تُعَزز من البُعد الرمزي والوجودي للألوان، مما يجعل كل لوحة تجربة بصرية وتجريبية في ذات الوقت.

الأيوبي تعتمد على استراتيجيات فنية تعزز من قوة الألوان والرموز لتعكس حالات نفسية متنوعة، وتُظهر جمالية انطباعية تتخطى الأبعاد التقليدية للفن. تتميز أعمالها بالتنوع من حيث الأساليب والتقنيات، مما يتيح للمشاهد التفاعل مع كل لوحة بطريقة فريدة وخاصة، كما تجعل من تجربة المشاهدة رحلة تأملية غنية ومتعددة الأبعاد.

في الختام، يمكن القول إن علا الأيوبي تُقدِّم من خلال فنها رؤية عميقة ومؤثرة للحالة الإنسانية المعاصرة، حيث يلتقي الإبداع الفني بالبحث الفلسفي العميق. تُمثِّل أعمالها نافذة على عالم مليء بالتناقضات والتحديات، وتدعو المشاهدين للتفكير في معاني الحياة وتجربة الإنسان من خلال عدسة فنية انطباعية ذات عمق جمالي وفلسفي.

dohamol67@gmail.com

Doha El Mol