توازن الألوان في زهور الفنان جميل ملاعب الرومانسية

ضحى عبدالرؤوف المل

يُتقن الفنان "جميل ملاعب" Jamil Molaeb لعبة الحياة والتكوين الصاخب برمزيات الفرح والحب، وبزخرفة لونية تتشابك معها الخيوط بمهارة، تتوازن معها الألوان مع منحنيات السيقان أو خطوط العلاقات المخفية لزهور هي علامات الحياة وتشابكها بفعل العلاقات مع الآخرين في طبيعة تفوح منها جوهر الوجودية، متلاعبًا بالتوازن والتناثر البصري لتمثيل البراعة في الطبيعة والحياة. وهي لغة الزهور التي شُغف بها الكثير من الفنانين والأدباء على مر العصور، منهم مثل "ديفيد دي هايم" و"جان باتيست مونوييه". فالطبيعة الخصبة في زهور الملاعب مصحوبة بدرجات الألوان المختلفة المثيرة بصريًا، وبأساليب مختلفة يرصد من خلالها قيمة التشابك في عالم الطبيعة من خلال الزهور، معتمدًا على حالات تدرجات الألوان وظلالها، لخلق محاكاة هي معيار فني تمثل قيمة الحركة الفعلية في عالم النبات الشبيه بعالم البشر دون تقيد لنمو يحصره في لوحة ذات مساحة يحددها بمقاييس ومعايير وأبعاد نسبية بشفافية ذات نسيج بصري مرن مشبع بالرؤية المفتوحة على تفاوت الألوان بين زهرة وزهرة. إضافةً إلى الأحجام والانطباعات الملونة بين الداكن والفاتح أو الظل والضوء، وفي الحالتين هو يتركنا في طبيعة الزهور المفتوحة رمزياً على عالم الإنسان، وضمن الخطوط التي تحددها النباتات الفائقة الحساسية في الحياة والتي تحتاج لرعاية خاصة حتى إن غاب الإنسان عنها، فهي تحتاج لرعاية الطبيعية عبر الهواء والماء والشمس والضوء. فهل تميز ريشة الفنان "جميل ملاعب" الطاقة النباتية وأهميتها في حياة الإنسان؟ وهل من مقاربات حياتية بين الطبيعة والمجتمعات التي تفتقد للألوان المختلفة في الحياة؟

تتزين زهور الفنان "جميل ملاعب" بالفرح وببث الإحساس بالبهجة والحب والشاعرية المنغمسة بتحديات التضاد والتشابك في العلاقات المفتوحة على عدة ألوان، والتي تحيا في تربة واحدة، وضمن مساحة غير مقيدة وإن بدت محصورة في زوايا لوحة، وباستعارة الزهور وتغيراتها وتحولاتها، وإن تجاوزنا النظر أو انتقلنا من الشكل إلى اللون ضمن المشكلات التي يريد ملاعب تجاوزها في المجتمعات الإنسانية، التي تشبه إلى حد بعيد عالم الزهور الملون أو المتلون بكافة الصفات والأصناف والألوان، والأجناس وغير ذلك كتجسيد مطلق لجوهر الحياة والوجود. فهل تتساوى أزهار "جميل ملاعب" مع الرغبات بحيوية النبات وقوة التكاثر رغم أن الزهرة سريعة الزوال؟ وهل البُعد الزخرفي في زهور ملاعب هو بلاغة فنية ذات قوة إغوائية بصرية تجعلنا نشهد على نخبوية ريشته في خلق بيئة جمالية تسودها الاستعارات بين عالم النبات والإنسان؟

يستعيد الفنان "جميل ملاعب" في هذا المعرض التأثير الفني المتجدد على الإنسان من خلال عالم الزهور المتناغم لونياً مع موسيقى الوجود التي فتحها برفاهية الألوان الخاصة نحو الأرقام مجازياً أو التكاثر وما يعنيه عدد الزهور في كل لوحة، وما تمثله من حيوات، كأن اللوحة هي زهرة الحياة. فهو استطاع التنسيق والتوازن بين الأماكن التي تتواجد فيها والكائنات الحية الأخرى من عناصر تساعد في تواجدها، وهذا ما يحتاجه الفنان. ليكون على أرض لوحته مع الألوان ومن حوله كافة العناصر التي تساعد في إبراز جمالية حركته في هندسة تشبه رحلة إلى عالم تتشابك فيه الأشكال والأنماط في طبيعة لانهائية بتجدد مستمر ضمن النسبة الذهبية، كعالم الزهور الذي لا حصر له بعدد الزهور فيه. فهل من رؤية أفلاطونية في زهور ملاعب؟ أم هي نوع من التجديد الدراماتيكي لهذا الفن الذي امتد على مر العصور؟ وهل الزهرة هي نقطة البداية لدائرة مركزية تتطور بنيتها لترمز كل أشكال الحياة؟ وهل من ردود فعل مزاجية تنتجها الزهور في الفنون التشكيلية لتحفيز المشاعر الإيجابية في الحياة؟ أم أن معادلة الخطوط في تحديات إحداثيات اللون؟

تسري الخصائص الفنية والتقنية في لوحات الفنان "جميل ملاعب" بتقاطع الخطوط المتوازية والمتعامدة ضمن معادلة الخطوط في تحديات إحداثيات اللون، ولعبة التفاضل والتكرار والتوازي التي يلجأ إليها الفنان "جميل ملاعب" في أعماله المحاورة للواقع، وإن بتخيلات لم تخرج عن الخطوط وقدرتها على خلق لغة خاصة. إذ يعالج إطلالة المشهد التشكيلي برؤية مختلفة، لاستخلاص قواعد الإحساسات الجمالية بعقلانية مزجها بانفعالات اللون مدركًا الفوارق بين تقنيات المادة التشكيلية بكل تفاصيلها وأساليبها دون مغالطات قد تنتج من صعوبة التنفيذ بنوع من التقارب الفني ووسائله المدرسية، وإن باستدلالات المدن المتأثر بها كنيويورك بتراكيبها وتشابكها بصريًا مع الخطوط واحتكاكاتها، وتداخلاتها المنسوجة بعبق الألوان وعقلانية الخط العمودي والأفقي وتراكمات الأبنية المتطاولة في بعض اللوحات.

قواسم مشتركة لريشة اعتمدت على التنويع والاستنباط مع الحرص على إظهار التقنية التي يتوجها الفنان "جميل ملاعب" وبخاصية الاعتماد على التوازي البصري، وفاعلية فراغات اللون وتدرجاته الفاصلة القادرة على خلق مزيج من العناصر المتشابهة، وإنما بأبعاد أسلوبية تكتسي عدة محاور بصرية يمكن ترجمتها تبعًا للتقنية التي يستخدمها. إن الحفر على الخشب والنحاس أو الليتوغرافيا وغير ذلك، مما ضمه المعرض الذي يقارب مفهوم المدن والأبنية إلى مفهوم مدينة نيويورك التي ترجمها بخطوط، وصياغة ناتجة عن قاعدة أساسية ذات معادلة ناتجة عن لغة تشكيلية باتت ماهيتها هي خاصية الفنان "جميل ملاعب" ومفهومه العميق للشكل ومعايير اللون، والفراغات المشتركة بين اللون والشكل والمساحة ذات المقاييس المريحة للبصر.

لوحات فنية ذات اتجاهات واقعية في رؤيتها التي تمثل الانطباعات الحسية للمكان عبر الزمن، وضمن استراتيجية الشكل واللون في البناء والتطور الذي يحدده بالخطوط وكثرتها في أماكن ذات خاصية بصرية، المتميزة بالعمق والبساطة، وإن عبر منظومة حضارية يتطلع إليها من منظور الألوان وأبعادها، وقدرتها على ترجمة الأحاسيس الجمالية القادرة على اختراق الأمكنة المكتظة، والأمكنة الأكثر بتعقيداتها، وبهوية المدينة التي اخترقت حواسه بتفاصيلها وخصائصها وإن باغتراب أحيانًا. لأن الانطباعات غالبًا مقفرة من الوجود الحاذق للشكل، وبسلبية إنسانية مثيرة للجدل، لتصبح المدينة هي العنصر الأكبر للوجود في لوحات تدعو المتلقي إلى تأمل العناصر البنائية في اللوحة.

تقنية ذات محسنات لونية مسبوغة بتطلعات الفنان وموازينه التشكيلية، وبفعل رمزية المدينة التي اختارها، لتكون حاضرة في لوحاته التي تكشف عن الأفق الواقعي لتخيلاته التي يقودها الخط كمايسترو لإيقاعات اللون، ونغماته التي تعلو وتنخفض تبعًا لتشكيل اللوحة وتوليفاته الحيوية بصريًا، وبغنى فراغي تحكمت الريشة في مساراته التي ترتقي إلى التكامل في ملامح مدينة لم تتسق أبنيتها كما اتساق اللون وفردية الخط، مما يكشف عن طبيعة رؤية فنية تشكيلية تتميز بنبرة العوالم الحسّية التي تتجسد في وعي الفنان التشكيلي قبل أن يترجمها إلى عمل فني خلاق. فهل الرؤية الفنية ذات المنظور الفسيولوجي الذي يشكّل راحة بصرية تعكس ثراء الألوان في أعماله؟

ينعكس ثراء الألوان في أعماله من خلال الحبكة اللونية القادرة على خلق التلاحم في الفراغات التي تستند على المعاني، وتداخلات الرؤية الفنية ذات المنظور الفسيولوجي الذي يشكل راحة بصرية، مما يؤثر على المتأمل للوحاته وتخيلاتها التي تهدف إلى تغيير الواقع من خلال تنظيم فضاءات اللوحة لونياً، والأكثر فلسفية من إظهار الخطوط معتمدًا على جوهرية الفضاءات المتخيلة في أعماله، المؤكدة على أهمية الطبيعة في كل شيء من حولنا حتى المتخيل منها، كجزء من واقع لا يمكن تغييره، وإنما يمكن عكس حقيقة رؤياه عبر الفن كوسيلة لتحفيز الفكر الجمالي.

Doha El Mol

جمعت مقالاتي التي تم نشرها عن الفنان جميل ملاعب في هذا المقال الذي هو ضمن كتاب توازن بصري الذي صدر في دار الجندي

يمكنني أن أقول أعمال جميل ملاعب تستدعي استجابة انطباعية قوية تعكس الفرح والحب والتعقيدات الإنسانية عبر لغة الزهور. اللوحات تتميز بقدرتها على تحفيز مشاعر الإيجابية والبهجة، مما يجعل المتلقي يشعر وكأنه يتفاعل مع عالم مزخرف يعبر عن تفاصيل الحياة وعلاقاتها. تأثير الألوان وتنوعها في أعماله يساهم في خلق تجربة حسية بصرية تأسر الأنظار وتدعو للتأمل في جماليات الطبيعة.

إن الزخارف اللونية المتقنة والانسيابية في التكوينات تعزز من التجربة البصرية، حيث يتمكن المشاهد من الاستمتاع بجمالية كل زهرة وبكل لون، مما يعزز من تقديره للفن والقدرة على الاستمتاع بمظاهر الطبيعة. كما أن البنية الفنية والتقنيات: جميل ملاعب يبرز في استخدامه للألوان والخطوط بشكل يجمع بين التنوع والتناسق. تقنياته تشمل استخدام التوازي البصري، وتفاصيل الزهور التي تشكل عنصرًا رئيسيًا في لوحاته. التباين بين الألوان، والظلال، والأحجام، والفراغات يعكس التوازن والحركة في الطبيعة، مما يوفر فهمًا عميقًا لتشابك العلاقات والتفاعل بين الألوان والأشكال.

يبدو أن أعمال ملاعب تستلهم من ثقافات متعددة، بما في ذلك تأثيرات المدن الكبرى مثل نيويورك، حيث تنعكس تعقيدات وتداخلات هذه المدن في أعماله من خلال الخطوط والألوان. هذه البُعد الحضاري يعزز من الحوار بين الفن والحياة اليومية، مما يجعل أعماله تعكس قضايا اجتماعية وثقافية معاصرة.

التعبير عن الذات: أعمال جميل ملاعب تعكس رغبة الفنان في التعبير عن تجاربه الشخصية وأحاسيسه من خلال الزهور كرمز للحياة والحب والتجدد. البُعد النفسي في أعماله يمكن أن يعكس التأملات العميقة للفنان حول العلاقات الإنسانية، والحالة النفسية، والتفاعلات بين الأفراد والطبيعة. كما أن الألوان والخطوط في أعماله تشكل تعبيرًا عن التوازن الداخلي والانسجام النفسي للفنان. تنوع الألوان وتدرجاتها، وكذلك الانسيابية في الأشكال، تعكس محاولة للبحث عن التوازن الداخلي والقدرة على التعامل مع التناقضات الحياتية.

يستخدم ملاعب تقنيات فنية متعددة مثل الحفر على الخشب والنحاس، والليتوغرافيا، لتعزيز تنوع وثراء أعماله. الأساليب المتنوعة التي يعتمدها تعكس قدرة الفنان على دمج التقنيات التقليدية مع الرؤى الحديثة، مما يعزز من القيمة الفنية لأعماله.

تنظيم العناصر في لوحات ملاعب يعكس اهتمامًا دقيقًا بالتوازن والتناسق. التكوينات اللونية، وتداخل الأشكال، والتنويع بين الألوان والظلال، جميعها تدل على مهارة فنية عالية. التوازن بين العناصر المختلفة يعكس فهمًا عميقًا للمبادئ الأساسية للفن التشكيلي، بما في ذلك التوازن والانسجام والتباين. الزهور في أعمال ملاعب لا تُعتبر مجرد عناصر زخرفية بل تحمل معاني رمزية تعبر عن حياة الإنسان وتفاعلاته. التجريد الفني الذي يتبعه يساعد على فهم الرموز بطرق جديدة ويتيح للمشاهد التأمل في معاني أعمق تتجاوز المظاهر الظاهرة.

أعمال جميل ملاعب تقدم تجربة فنية غنية تجمع بين البُعد العاطفي والنفسي والفني، مما يجعلها تجربة بصرية وفكرية ملهمة ومؤثرة.

dohamol67@gmail.com

Doha El Mol