المدلولات الاستبطانية التي يتركها الفنان " نزار ضاهر" في لوحاته.

ضحى عبدالرؤوف المل

شغلت قماشة اللوحة في أعمال الفنان "نزار ضاهر" مساحة لونية ذات أسس متينة في التمازج والتناغم، وحتى التنافر في محاكاته للطبيعة، وحقيقة وجودها المتمثلة في الفكرة وانبثاقها من اللون بقوة تصاعدية هي انعكاس لإلهام انطباعي يوقظ النغمة التعبيرية، بجدلية الألوان وتضادها وتوحدها مع قماشة اللوحة، وكأن العناصر في لوحاته تتماسك وتشتد بميل فني إشراقي ذي تطهير رؤيوي يحتوي جمالية الكون، وتنوع ألوانه بتحولاتها البنيوية، لتتصدر الحركة البصرية جمالية الحياة التي يستحضرها من طبيعة اللون البكر المأخوذ أحياناً من الطبيعة نفسها، وبحيوية ميكانيكية في انعكاساتها الخلاقة، لتتجلى الطبيعة بروحانية عابقة بالأفكار والمشاعر والإيحاءات المستنفرة ، المحسوسة بخطوط اللون وتكتلاته السيميولوجية كمنظومة موسيقية غنية بذبذبات الألوان بمختلف تدرجاتها، وبتجانس يتفاعل مع المدلولات الاستبطانية التي يتركها الفنان " نزار ضاهر" بتجرد مصقل بالتعبير الفني.

حوارات حسّية بين شفافية اللون وكثافته تتسع وتضيق مع الأبيض الذي يفصل به الفنان "نزار ضاهر " خصائص الألوان وانزياحاته الجمالية، وطبيعة تآلفه في النفس. مما يؤدي إلى استحسان موضوعي يتصف بالتخيلي لعوالم ممكنة وغير ممكنة، وكأنه يمزج بين الوعي واللاوعي، بل كأن الريشة هي صلة الوصل بين ثلاثية الفنان واللون والمتلقي، وبين اللوحة نفسها وممارسات الضوء القوية في خلق تشكيل فني لطبيعة تثور وتهدأ دون أن تنفصل عن ذاتية وجودها بمختلف التشكلات والتحولات، وبجمالية إدراكية ذات سكون وحركة، لعل أهم معانيها النهوض بالطبيعة الأم والحفاظ على هويتها الخلاقة من خلال استرجاع ذاكرتها الفنية في لوحات الفنان" نزار ضاهر".

يستمد الفنان " نزار ضاهر" قيمة اللون وطواعيته الحركية في التشكيل الذي يعصف بالحواس، وفق منظور الأبعاد والفراغ والضوء، والظل والسمات الفلسفية الغارقة بتأملات تتماشى مع مسارات الريشة اللونية وانطباعاتها أو بالأحرى مزاجيتها المحورية التي اتخذت صفة الانطلاق التصاعدي أو النصف دائري أو حتى المائل، وبتعقيد يستجمع من خلاله قوة الطبيعة في التعبير المشحون بالرومانسية والجمال، وكنه المادة التي يستخدمها بحيوية وخصوبة بصرية تضفي صفة الإبداع الخلاق على قطعة من طبيعة بكر تجسّدت في لوحة عذراء تتزين بألوان لها كينونتها ومقاديرها وطبيعتها، فهل في معرضه هذا لمسة مبطنة لصرخة الطبيعة؟ وما هي حدود المحال بين" نزار قباني" و " نزار ضاهر" ...؟

تجذب ألوان " نزار ضاهر" مخيلة البصر، وتعكس أناقة مستوحاة من طبيعة لها تأثيراتها الواقعية الطبيعية ، والتعبيرية الخاصة مع جرأة لونية جلنارية نضرة تسمو مع الطبيعة، وتزيدها رؤى إبداعية قادرة على إنتاج وحدات إيقاعية لها جودة أوبرا تنسجم مع اللون والكتلة والملمس، والفضاء المتسع داخل لوحة شاعرية متماسكة حركياً، واقعيا، وبصرياً، فالتأثيرات الضوئية القوية التي تنبعث من المادة اللونية المستعملة لها حركة تظهر جمال كل كائن حي في الطبيعية البكر، والخلط التقني الملتزم بطواعية الخط، وعمق التعبير المتعاطف مع الأرض والجبال، والسهول والثلوج، والضباب والغيوم، وكل عناصر الطبيعة وما يرافقها من توهج وشفافية وحيوية ألوان حمراء وصفراء وخضراء . كأن كل لوحة هي مشهد واقعي لأماكن تمتص الضوء ضمن معايير لغة بصرية لها مضمونها الرؤيوي وأسلوبها المؤثر على عين المشاهد للوحات " نزار ضاهر" .

ضربات فرشاة تعبيرية تثير القلق وتؤثر على الخوف الداخلي، المخفي داخل طيات القماش وتقنية جوهرية لها آلية بصرية خاصة تزيد من الإدراك الحسي، وتمنح الكتلة ضبابية انطباعية لها واقعية اللون وعمق الفن الفعلي ضوئياً من خلال تشكيل دقيق له نفوذه المؤثر على العين والدماغ، فلا تستطيع تفسير أحاسيسك وأنت تتأمل لوحاته، أو لماذا تجذبك بهذه القوة للداخل وتضعك أمام جمال فطري أخّاذ. يحمل مفهوم متغيرات جيولوجية تطرأ على الأرض مشابهة للإنسان ، فيختفي منظور الخط أو تشعر أنه وهمي، فيتناغم البصر مع الضوء والظل ومع طبقات الألوان الزيتية.

كفاءة عالية في ترجمة رؤية راسخة وفكرة لها ظلالها اللوني المتناقض قبل أن ينطلق تدريجياً من الأحمر المُشتعل ، والأصفر والبرتقالي المركب، وهي ألوان ذات مصدر ضوئي يشع كقرص الشمس عند الغروب مع لمسات لون أسود أحياناً، ليظهر التعتيم كحبة لؤلؤ سوداء تشع جمالا ، فتحاول البحث عن المزيد في أعماق الأرض .

هيمنة نفسية تلقائية تكبح الرغبة في استكشاف الوجود الإنساني، فتكتفي بالحقول اللونية الممتعة في كل لوحة ترتجل مضمونها المميز من تناغم ديناميكي مشحون بتعبيرية مبسطة تملأ اللوحات بقواسم مشتركة، وهي حركة الأرض والسماء مع اتجاهات اللون، وكأن اليد أو الريشة هي نقطة الارتكاز لبداية لا نهاية لها، ولحركة تترجم أنماطاً جديدة من مشاعر عميقة أو اضطراب أو خوف، وكأنه في صراع بين الخط واللون وبين التعبير عن الذات واللاوعي الفني الرافض للوجود الإنساني. إلا إنه ترك مفاهيم إنسانية جمالية تحاكي الطبيعة ، وتترجم أحاسيسها الصامتة بانورامياً لتتسع المُخيلة، فترى الإنسان في كل لون أشعله " نزار ضاهر" من الأحمر وحتى الأخضر.

صراع ألوان يشبه صراع الإنسان، وفي كل لوحة يسجل انتصاراً تحلق معه مكنونات الطبيعة ، وكأن سيول المادة الحسّية والرملية هي دماء تجري في عروقنا ، كما تجري في اللوحة الممتلئة بالحياة ، والتفاعل والمحاكاة ، فنشعر بحرارة كل لون كما نشعر بالبرودة أيضا، فهل من بركان خامد في السماء؟ أم فقط براكين ألوان صاخبة تسبب تشكيلاً فنياً مميزاً؟.

موسيقى تصويرية تشعر بها وأنت تشاهد ارتفاع لون ما وانخفاض آخر مع تناقض بين فواتح وغوامق، ظل ونور، فرح وحزن، ولكن ولادة لا موت فيها، وكأن جنة الإنسان هي أرض سيرثها دون خوف أو قلق، مما لا يجعلها تضطرب من وجود إنساني عليها . كما تضطرب في لوحات نزار، وكأنها تخاف أن يطأ إنسان ما عليها. كما وطأت الريشة المغموسة لوناً أحمر قانياً يتدفق في عروق اللوحة، وكأنه الفارق الأساسي بين الحياة والموت ، فهو يمنح الحياة الخالدة لنفسه، ليكتب أسطورة تشكيلية تخطف الألباب مع عشوائية مطلقة تحمل قساوة توحي بسماكة اللونين الأحمر والأخضر، كما توحي بثقافة لغوية فنية لها رؤية فسيولوجية للموجات العالية والمنخفضة لألوان انتقالية لا تتخطاها الريشة كما تتخطاها العين أحياناً.

إدراك حسي متين له قدرة مميزة للظهور مع ألفاظ اللون المتداخلة، والمشحونة بموجات ذات أبعاد ثلاثية تتباعد وتقارب في مد وجزر، فتتسع المساحة وتضيق كما تختلف الزوايا بين البعيد والقريب ، فتشعر كأنك تخلق في فضاء وتنظر للأرض من بعيد أو من قريب وكأن تاريخ الأرض الوجودي هو نقطة يبدأ منها البصر ولا تنتهي عنده الفرشاة .

يقول ليونارد دي فنتشي :" أول الألوان البسيطة الأبيض.الأبيض يمثل الضوء الذي بدونه ما كان يمكن رؤية لون، والأصفر التربة، والأخضر الماء، والأزرق الفضاء، والأحمر النار، والأسود الظلام الكامل." أبيض، أسود، أحمر، أخضر، أصفر، أزرق ، بني، أرجواني، وردي، برتقالي، رمادي، تكرار مفردات موسيقية لكل هذه الألوان. إلا أنه في كل لوحة يضيف أسلوباً جديداً يجعلك تكتشف جمالية كل لون جرده من أساسياته ودمجه مع لون آخر، وكأنه يكتب ملحمة لها أوزانها اللونية أو قصيدة التفعيلة، ولكن لم يتم أكتشاف تفعيلتها بعد. إن الإحساس باللون يختلف من عين لعين لكن الضوء يتساوى بصرياً فتنشط الأحاسيس، وتزداد الانفعالات تبعا لإشراق الضوء المنبعث من كل لون أو عتمته. فما بين "نزار قباني" و" نزار ضاهر" لغة مشتركة لها تسلسلها الزمني ووظيفتها الحاضرة إن في القصيدة أو في اللوحة، فيقول نزار قباني:" لكي يكون اللون لوناً لا بد من أن يلامس العيون...ولكي يكون اللحن لحناً لا بد أن يلامس الأذن"..

"ويوم تلوحين لي على لوحة المغرب المخملي تباشير شال يجر نجوماً..يجر كروماً..يجر غلالاً..سأعرف أنك أصبحت لي، وأني لمست حدود المحال." فهل لمس نزار ضاهر حدود المحال في لوحاته؟.

dohamol67@gmail.com

Doha El Mol