الفن والحضارة التشكيلية في لوحات الفنان شوقي شمعون

ضحى عبدالرؤوف المل

تثير لوحات الفنان التشكيلي "شوقي شمعون" (Chawki Chamoun) انعكاس الحضارات وجمالياتها على الإنسانية. إذ يستخرج المتأمل لوحاته عمق الحضارات الفنية السابقة، وجمالية هندستها التي نعيش فيها تاريخياً من حيث مهابتها التي نلمحها ككائن داخلي يقبع وراء كل عمل نابع من الذكاء الفني الإنساني. وقدرته على الخيال وأيضاً القدرة على التعبير عن الوجود الحضاري للإنسان المبدع، وثقافة الجمال التي تعكس صورة الفكرة الممتعة، والمصقولة كتعبير بشري عن الوجود المصاحب للفكر الإنساني. وإعادة العظمة المتدثرة بتاريخ أثري يعيد تشكيله اليوم "شوقي شمعون" من خلال معرضه الذي جعل من تحولاته قيمة حضارية تشكيلية. تجعلنا نلمح الآخرين في الآثار الفنية التي يوحي إلينا بها من خلال لوحاته، مما يسمح لنا بفهم عظمة الأجداد وانعكاس حضاراتهم علينا هندسياً وجمالياً وتقنياً، مع الاحتفاظ بمعنى قوة الأثر في ترجمة قيمة البقاء، مما يعكس قوة الفن والحضارات ودرجة البقاء من اللون أو العاطفة إلى السماكة والكثافة، وترسيخ الأفكار وصولاً إلى الكهوف والمعابد الضخمة المزينة بالنحت المفتوح أو غير المحدود في إعطاء بنية الشكل حداثة لا ترتبط بالشكل تحديداً، وإنما بالتعبير عنه من خلال قوة المواد التي يستخدمها في لوحاته المصقولة هندسياً بالمعايير الفنية. ليترجم عن مشاعر الجمال في حضارات سابقة قديمة وحضارات لاحقة حديثة، تاركاً للخيال حساسية التحولات الزمنية وأهميتها في حياتنا، وقيمة انعكاسها على التاريخ الفني الذي يحتفظ بالدهشة. لأن كل شيء نابع من جمالية الإنسان هو قادر على البقاء أمام همجية الآخرين. فهل ينحت الفنان "شوقي شمعون" على جدار اللوحة كهوفاً حديثة تثير عظمة الفن التشكيلي وآثاره الجمالية على النفس؟

جدلية التفكير بالأجداد وآثارهم تجعلنا نقف أمام لوحات "شوقي شمعون" بانبهار نابع من جمالية تتبع الخطوط داخل اللون، وتعرجاته وانعكاساته. كأنه يرافق الإنسان في مسيرة حياته الإبداعية على الأرض من العصر الحجري وصولاً إلى العصر الحديث، ومن المنحوتات التي تشير إلى عمق الحضارات القديمة وصولاً إلى حضارات الإنسان الحديث التي تستحق التفكر والبحث في الحضارات الإنسانية التي ما تزال مجهولة رغم التجانس الفني بيننا وبينها من حيث المعايير والمقاييس والضخامة. والقدرة على تذليل المادة والسيطرة عليها وبث الحياة فيها، لتضخ المعاني الجمالية للفكر الإنساني الباحث عن الإبداع من حيث الهندسة الفنية وجمالياتها في ترجمة القدرة على البقاء الحي من خلال الفن بحد ذاته. فما هي أول علامات الحضارات الحديثة في لوحات الفنان "شوقي شمعون" وهل يتحدى في معرضه هذا الرؤية التاريخية للفن الحديث التي تبدأ من لوحة وتنتهي بفن العمارة الحديث، والانقلاب الفني بالعودة إلى تاريخ الحضارات القديمة؟

الفن هو الحضارة الباقية في الأذهان وإن طوى الإنسان حضارة بدأت بحضارة أخرى، وما التسلسل البشري في لوحات شمعون إلا تسلسل للحضارة الفنية التي يجعلنا نبحث عنها معه في لوحاته بعيداً عن التطابق الهندسي في العمران حالياً. لتشكل بنية اللوحة في أعماله نوعاً من تنمية حضارية بشكل جمالي وطبيعي مدهش. مما يدعو إلى التقدم والمثابرة للمحافظة على أشكال الحضارات المختلفة من خلال الفن بشكل عام. ليصبح بتقنياته المتنوعة كجزء لا يتجزأ من تطور العقول الفنية الإبداعية، وأثرها في صقل الحياة وجعلها شبيهة بالكون وتطور الحضارات الفنية فيه. إذ يترجم الشعور بالجمال من خلال صدى الحضارات الفنية المتتابعة والمتواصلة زمنياً عبر المكان. لتشكيل نداءات هندسية تعيد مجد الإنسانية قبل أن تندثر من سوء عولمة تؤثر على الخيال الفني، وما يعكسه على الحواس من عمق جمالي وشعوري لا ينفصل عن الواقع من حيث التشابك مع الحلم وثمرة الفكر الهندسي الناتجة عن تصور ممتع لإعادة مصدر بناء الحضارات بشكل فني هندسي من شأنه إعادة تشكيل واقعنا المعماري والهندسي، كنتيجة تحقق الدليل على وجودنا الحضاري والإنساني وجمالية الكون الذي خلقنا فيه. في نهاية دهشتي من معرض الفنان "شوقي شمعون" جعلني أقول: أليس الفن هو الثقافة والهوية المتبقية لترجمة التاريخ لمعرفة كل أولئك الذين مروا قبلنا والذين سيأتون من بعدنا؟ إن كان الجواب نعم، فالفن هو الحضارة المتبقية من صنع الإنسان. فماذا عن الأطوال الضوئية المنعكسة على الأحجام والكتلة اللونية في أعمال الفنان شوقي شمعون؟

يستبطن الفنان شوقي شمعون الأفكار الجمالية في اللوحة بفيزيائية تتناقض مع الأطوال الضوئية المنعكسة على الأحجام والكتلة اللونية، لينفذ إلى الحواس ويحدث التأثيرات التي من شأنها إثارة دهشة لامتصاص التوترات الناتجة عن صراعات العناصر الفنية في اللون، والانتقال من خلالها نحو الواقع المشتت، وبتناغم تتضاد معه المشاعر الإنسانية والجمالية معاً، للسيطرة على اختلاجات تشتد وتعتصر الشكل، لتكوين سيكولوجية ذات إيحاءات قابلة للانفصال والاتصال، وإنما ضمن ناتج فيزيائي ينعكس على المعادلات التي يتقنها الفنان شوقي شمعون ويمسك من خلالها بلجام الضوء في اللوحة، وكأن الضوء في حركة لامتصاص الألوان المتفرقة والمجتمعة في لعبة الأضداد التي ترتبط بالصراعات الداخلية والخارجية في الكون، وتؤثر على الإنسان تأثيراً شديداً وخاصة الفنان الذي يكتسب من الحواس ما يجعله يترجم كل جزئية من الألوان تلتقطها البصيرة المفتوحة لديه. لتفوح منها معاني الفرح والحزن والغضب والصراع والسلام والمحبة والجمال.

إن العصب الضوئي هو الأساس في أعمال الفنان "شوقي شمعون" كافة. إلا أنه في بعض اللوحات يترك لخيوط الضوء دوراً أساسياً في الإمساك بجاذبية اللون، وكأنه شريط لجينات وراثية نراها بتسلسل ضمن الانصهار الحركي مع الضوء. إذ يصعب فصل الأشكال التي استخدمها عن فعل الجاذبية بتلاعب بصري يعكس نظرتنا الثابتة والمتحركة نحو الأشياء، لتصل إلينا المفاهيم خفيفة وثقيلة، وبتناقض ذهني وحسّي، كأنه يحاور المتلقي بصرياً من خلال اللوحة، ويقدّم له جدليات الصراع الإنساني في العالم، لتكون بمثابة لوحة تشكيلية تحمل أسلوبياً عدة إيحاءات تختلط مع المكونات التي برع في غمرها بالضوء المرئي وغير المرئي، وكأنه يعطي مصدر الطاقة الضوئية ميزة في لوحاته من خلال سماكة الألوان وشفافيتها وقدرة الوصول إليها، وباندماج تتكثف فيه النقاط التي يجمعها وفق حسابات بصرية ذات نسب طولية تستقطب الأحجام الثقيلة من الألوان، وكأنه يفتح الموازين على تفاعلات لا تتعادل من خلالها الأشياء، وإنما يتكئ على العناصر الحسية للاستقراء والإبهار لأحداث نشوة نفسية تشبه رؤية المجرات السابحة في الفضاء، وإنما من عدة زوايا تخيلية تضعنا أمام الصراعات وجهاً لوجه مستنداً على عدة نظريات فيزيائية ورياضية، وكأنه يمسك بكل لون كما يمسك المنطاد بالبالون. فهل يحاول الفنان "شوقي شمعون" تبسيط الرؤية الإنسانية بصرياً لإبعاد فكرة الصراعات القائمة على النزاع العرقي؟

تشبه الألوان في أعمال الفنان "شوقي شمعون" الرغبات المكبوتة في الإنسان التي تتصارع فيما بينها ويمسكها لا شعورياً، مما يخلق عدة تفسيرات لإدراك كنهها، لأنه يتوجها بالعصب الضوئي المخفي والمرئي، وباستبطان يضفي بصمة غامضة رغم الإيحاءات التي تشير إلى كثرة الصراعات وتنوعها، كتنوع الألوان في المجرة أو في الكون الذي انطوى على أسرار ضوئية عديدة تجسد كل منها معنى من المعاني، كالقدرة الكبيرة على تمييز الخير من الشر أو الصح والخطأ أو الألوان الحارة والباردة أو الانعكاسات السلبية والإيجابية، وكل ذلك لتكوين رؤية وراثية للألوان التي يستخدمها، وبإسقاطات على الأشياء من حولنا. فهل يتساءل الفنان "شوقي شمعون" عن أسباب عمى الألوان في الواقع البشري والصراعات التي تمنع الإنسان من تكوين رؤية صحيحة للعيش بسلام؟ أم أن سر الحياة بين حركة الشكل وانفصال اللون وتآخي الفراغ في لوحات الفنان "شوقي شمعون" هو ابتهال تشكيلي من نوع خاص؟

تبتهل الألوان في لوحات الفنان "شوقي شمعون" وفي معرض حركي بصري وبتلاعب ضوئي استطاع من خلاله تفكيك اللون وجمعه مع الحركة، ليوحي بموسيقى هندسية ذات إيقاع، وبترتيل فراغي يثير دهشة البصر، فتتراقص حواس الرائي بفرح وبعمق فني قادر على منح الإحساس النغمة التي أراد إيصالها الفنان "شوقي شمعون" بخفة اللون وثقل الحركة، وفراغات المساحات التي يمدها بزخرفة الألوان وبخربشات مدروسة، وكأنه يبحث عن سر الحياة بين حركة الشكل وانفصال اللون، وتآخي الفراغ مع المساحات وترابطها مع المعنى، وكأن الريشة الأكروباتية تحاول تجزئة الأدوار الحياتية التي تتعاقب مع الزمن، لتحتفظ اللوحة بالقوة اللونية المضادة للحركة، وبتوازن مع الفراغ وحنكة ريشة كتبت معادلتها التشكيلية في هذا المعرض الذي يحمل صفة إبداعية ذات تحديات يثق بها الفنان "شوقي شمعون" وبجرأة فنية هي الابتعاد والاقتراب عن مركز اللوحة بمدها ومنحها الامتداد البصري برمزيته المتعالية عن الزمن، وعن ثقل اللون الذي جزأه وجعله خفيفاً كمادة أكسجينية نفخ فيها من أحاسيسه الخاصة.

بتقنية ذات خبرة تشكيلية عميقة الرؤية نقلنا الفنان "شوقي شمعون" عبرها إلى كونية اللون، وتحولاته التي تركتنا في ذهول بصري، وبتواصل فكري يمسك بالرائي عبر شريط تتقطع فيه الوحدات بشاعرية، وتنظيم التضاد الحركي مع اللون بدقة هندسية انسجمت مع درجات الألوان، وتقاطيعها الموزونة كقصيدة متينة في البناء الموسيقي وعلاقاته المتناغمة بين الجزء والكل. لنشعر أن اللوحة كتلة متماسكة ذات امتداد موضوعي ومنهجي في التشكيل والتواصل الفكري والبصري الباعث إلى التأمل، واستدراك المعنى الحياتي العبثي في قسم منه. إلا أنه من صنع ذي تنظيم فردي أو بالأحرى من ريشة أبدعت واستطاعت تكوين لوحة تحاكي وتحاور الحواس وبفردية يجمع بها الأفكار التي تجذبها اللوحة أو بالأحرى تسحبها بسحر نحو اللانهاية، وبصبغة تنوعت فيها الأشكال ومعانيها، وبتماثل بين العناصر تتعادل فيها الجزئيات مع الفراغات الكامنة بين الخطوط والألوان وبتوازن مستتر مرن بارع في تكوينه بين العلوي والسفلي والأيمن والأيسر.

تنسجم معاني الاستقرار والانفصال الحركي بين اللون واللون والدوران البصري حول ذاته. ليعيد تشكيل الصورة تبعاً لتخيلاته التي يفصلها "شوقي شمعون" بتكنيك الحركة الموازنة، وهذه الحركة هندسية في رؤاها الفنية، والعملية الفنية المتشكلة من مجموعة مفاهيم واستنتاجات تركها للعين البصيرة كي تلتقط معاني السقوط والتلاشي، وفوضوية اللون المنظم بصرياً، وإن عبر إدراك كنه الحركة التي تدور مع اللون، وبانطلاقة راقصة أو طائرة إن صح التعبير وبمفهوم أوضح. إذ يحاول معادلة زوايا الأشكال وتوزيعها على اللوحة وفق بعضها البعض، وبتوازن عمودي مع سطوح اللوحة. ليمنح الثقل اللوني خفة الطيران والتلاشي البصري. مما يجعل المتلقي يشعر بروحانية الاتساع، والفضاءات الفراغية مع الحفاظ على الأضداد البطيئة والعنيفة التي تضربها الريشة كجانح طير أو كحركة الأجسام على الأرض والكواكب عبر المجرات. فهل يتحدى "شوقي شمعون" في هذا المعرض ثقل اللون؟

حركة تندفع من الخارج إلى الداخل لتصب في خانة بهلوانية الفراغ، وكأن الألوان ناتجة عن حركة دورانية في مساحات مستطيلة، وبراحة ذهنية تميل نحو التعبيرات الشاعرية القادرة على خلق معادلة رياضية تتماثل فيها الإيقاعات الحسية بفهم وإدراك، وبتآلف بين الوحدات وموسيقاها الداخلية المحاكية للألوان الخارجية المتخيلة، والنابعة من حركة شبيهة بحركة الشمس واضعاً جل اهتماماته في المركز الرئيس لانطلاقة اللون نحو الخارج، وارتداده البصري نحو الداخل. وهذا حقيقة ما جعلني أشعر بدهشة تشكيلية لها نشوتها الحسية الخاصة في هذا المعرض.

Doha EL mol

حاولت في هذا المقال التركيز على التقنيات التي يتبعها ضاهر، مثل استخدام الفراغات، الانسجام بين الألوان، والتلاعب بالضوء. هذا يساعد في فهم كيفية استثمار الفنان لتقنياته لخلق تأثيرات بصرية وعاطفية. ومن ثم معالجة الاستعارات والرموز التي يستخدمها ضاهر في أعماله، ويبحث في كيفية تجسيدها للموضوعات الفلسفية والاجتماعية، مما يضيف بعدًا إضافيًا للتفسير.

حاولت الكشف الطبقات المتعددة لأعمال نزار ضاهر. فعلى سبيل المثال، يمكن أن يُظهر المقال كيف أن الألوان والتقنيات المستخدمة ليست مجرد عناصر جمالية، بل تعبيرات عن مشاعر وأفكار معقدة. يوضح كيف يمكن للأعمال أن تعكس تجارب شخصية أو اجتماعية، مما يضيف بُعدًا عاطفيًا وفكريًا لها. إذ حاولت إبراز أهمية الأعمال للتعزيز من قيمتها البصرية عند المتلقي العادي في السياق الثقافي والفني. بتحليل دقيق للأسلوب والمواضيع، يمكن أن يُفَهم كيف تساهم أعمال نزار ضاهر في تطوير المشهد الفني المعاصر، وكيف تضع بصمتها في الساحة الفنية العالمية.

من خلال قراءة أسلوبه، يُمكن تسليط الضوء على مدى ابتكار نزار ضاهر في استخدامه للتقنيات والأساليب الجديدة. فالقراءة النقدية تُقدّر كيف يتجاوز حدود الأساليب التقليدية لتقديم رؤية فنية جديدة ومبتكرة.

إن قراءة أعمال أعمال ضاهر تتسم بعمق التركيز على التفاصيل الفنية والرمزية، مما يوفر فهماً ثرياً ومتعدد الأبعاد لعمله. يُسهم في تعزيز تقدير الأعمال الفنية ويعمل كأداة تعليمية وترويجية. من خلال تحليل أسلوب المقال والنقد الفني، يمكن للقراء والنقاد أن يكتسبوا رؤى أعمق حول الأثر الذي تتركه أعمال نزار ضاهر في المشهد الفني، ويكتشفوا الأبعاد المبتكرة والمعنوية التي يضيفها إلى الفن المعاصر.أتمنى أن أكون قد وفقت وأن يكون مقالي هذا نقطة ضوء لبداية أجيال كثر في قراءة اللوحات

dohamol67@gmail.com