بنية اللوحة ورؤيتها المرتبطة بالنظرة الفنية وعقلانيتها

ضحى عبدالرؤوف المل

يمثل الوجه في أعمال الفنان "طلال معلا" رموزًا قد تتعدد لتعريف الإيحاءات المثقلة بالوجع الإنساني الذي تحمله لوحات المعلا كسمات أساسية للظاهرة الإنسانية المستغربة سرياليًا أو بدهشة واقع ممزوج بإشكالية الوجود، معتمدًا بذلك على المرأة بشكل عام وعلى الوجه بشكل خاص. إلا أن أبرزها وجه سوريا ومعاناتها التي باتت تثير مخاوف المستقبل في نفس الفنان، حيث تأثرت المعاني بالحدث الملموس من خلال بنية اللوحة ورؤيتها المرتبطة بالنظرة الفنية وعقلانيتها. وأحيانًا هيمنة الريشة على وجه كخارطة تشوّهت وتركت معالمها، كبراهين وجودها الغرائبي في دهاليزها ومتاهاتها وتطلعاتها وتجلياتها المتنوعة. وكأنه يحاول إعادة بناء المجتمعات أو الإنسان من خلال التلاشي وطمس المعالم، وترك العين خاصية تؤثر على شمولية تنميط الوجه وإثارة مواجعه وهمومه. فيتساءل المتلقي: هل الوجه جزء لا يتجزأ من الحقيقة المرة التي يتجرعها الإنسان العربي بشكل عام؟

تفاصيل فنية جوهرية تتسم بجوانب مادية إنسانية تتعلق بالبقاء والموت، ومقاومة العدم بوجود لا يستسيغه الوجدان. إذ يخضع الوجه في لوحات المعلا إلى قوانين مادية تحتاج إلى تعديل في بعض الصفات التي يتركها كعلامات تعجب تدفع البصر إلى تأملات عميقة، واستنتاجات تجعل الفكر يغوص مع الإنسان ومجاهيل وجوده وعدمه، وإلى أين يسير بميتافيزيقية وبوعي ذاتي يؤكد على أهمية المساحة في إظهار التكوين المادي والنفسي أو بالأحرى الحسّي والملموس. وإن بتجاوزات غير عاقلة في شكل إنما ملتزمة بالنسب، وإن بعشوائية لونية، وكأنه يعتمد التهديم والإعمار، وتكرار الفعل مع الحفاظ على الإيقاع الداخلي وإعادة صياغة الذات بموضوعية، ودون تحديد للنسيج البشري، وإن شئنا بشكل أوضح للنسيج الوطني والاجتماعي والسياسي وما إلى ذلك.

يطرح المعلا في معرضه الفني مجموعة من العلل الإنسانية أو المجتمعية بكل أصنافها، وبلغة تشكيلية ذات توازنات بصرية وإيقاعات ألوان تتقاطع مع الفراغات والخطوط، والمنظومات البنائية في الشكل المتمسك بالمعايير التشكيلية وواقعها الرمزي عبر تفاصيل جزئية يجمعها من الحياة والبيئة. لتشكل فلسفة فنية قوية المعنى في رسائلها البصرية الموجهة فنياً إلى العالم أو إلى التاريخ أو إلى الأذهان القادرة على اكتشاف الأوجاع والتشوهات ومعالجتها ضمن نسق المعنى الداخلي ولواعجه العابقة بالألوان الداكنة مع الحفاظ على فواتح الألوان وتوازنها لتكون كإضاءة تمنح الماضي نوعاً من استمرار، ربما يتحقق في الماضي أيضاً ضمن الرؤية نفسها أي المرأة والوطن والمجتمع، وبخط بياني لا صعود فيه. فهل أصاب اليأس الفنان "طلال المعلا" من الحلول الأساسية للقضايا العربية ومشاكلها؟ أم أنه يؤرخ لأوجاع سوريا التي سلبتها الأحداث الأخيرة خارطتها الوجودية من آثار وأسس جمالية يبحث عنها المعلا في الوجه ومعالمه؟

مفردات تختلط مع الأشكال والأجناس اللونية كالمأساة والملهاة، والأخطاء والتشويهات والتغيرات، وبلغة الفن التشكيلي وبلاغته البصرية القادرة على إيصال الهدف، وبتعدد ذي أبعاد وجدانية وعقلانية وفنية يرصد من خلالها وجود المرأة بين الظواهر الأخرى أو الوجه ضمن تفاصيل مشتتة، إنما متشابكة ومتمسكة بنسيج معقد لا يتحرر منه المعلا. لأن الريشة التي ترسم هي الإنسان الذي يبحث عن حلول بين أكوام الإنسانية وتناقضاتها الغائب عنها الوعي الحر المتمثل بالخطوط وخربشاتها وعبارات الوجه وملامحه الظاهرة والمطموسة، لذا فهو ضمن قوانين اللوحة التي تحاكي النسب بمعادلات مخصصة لجذب الدهشة وإثارة الاستغراب من خلال إثارة العشوائية المنتظمة بفوضاها العابقة بالثنائية والازدواجية والتوحد، وبتماثل مع سيمترية وتناظر ومفردات لونية وفراغية وضوئية يتلاعب بها بجدلية وصرامة تشكيلية. فهل يلتزم بمبدأ الصدمة البصرية لإثارة المزيد من التساؤلات الفنية؟

يبوح الفنان "طلال معلا" بمكنون الأفكار التي تتوارد في مخيلته، لتترجمها الأشكال والأحجام والألوان إلى فلسفة حياتية تعكس تشكيلياً تجليات الإنسان وهمومه، ونوازع الخوف والأمن بتضاد بين المضمون والأسلوب. ليستخرج أوجاع الشعوب بتعبير يخوض من خلاله صراعات فنية مفتوحة على حقائق تتصف بعدة تصنيفات. إذ يعتمد الفنان "طلال معلا" على مبدأ الصدمة البصرية لإثارة المزيد من التساؤلات الفنية التي تقود الحس نحو التفاصيل الأكثر حرارة والقادرة على تكوين المشهد الداخلي بعفوية يتركها تترجم الحركة والضوء، بتمازج مع الألوان الحارة. ليصرخ بعفوية في لوحة تحاكي الهموم الإنسانية بشكل عام. حيث يزج بالهواجس بين مقاربات لونية تتلاءم مع نسيج اللوحة ومعناها المتجذر من الوقائع التي توحي بحدث ما راسخ في وجدانيته، وبحساسية مقروءة باستبطان جمالي، ليتحول المحسوس إلى بصري عبر أجزاء يستجمعها الذهن بتآلف فني واع ينسجم مع العفوية الظاهرة في اللوحة، وإنما ضمن أطر الوعي التي يتمسك بها الفنان "طلال معلا" كلوحات معتقل الخيام وغيرها.

يسعى الفنان "طلال معلا" إلى زرع القيم الإنسانية في لوحة تسيطر عليها نزعة الإنسان المقاوم للصراعات، وبتنوع بصري ذي تدرج يغلب عليه التضاد المبني على التفاعل الحركي بين الألوان. لتحاكي الريشة الفراغات بين التفاصيل التي يتركها للاستقراء. مما يحقق التحفيز للقيمة الجمالية المشتركة من حيث الموضوعية والذاتية. ليجمع بين الحالة اللاشعورية والاختزان الداخلي، لتستمد اللوحة معانيها من الخزين الفلسفي الذي يستجمعه من التفاعل الاجتماعي والإنساني مع القضايا التي تستجد على أرض الواقع، وتؤثر على مسارات الإنسانية. لتكون لوحاته رسالة تعطي للوجود الإنساني قيمة تاريخية ذات معنى جمالي ترتبط بمفهوم الفن التشكيلي وأهدافه، المرتبطة بالأفكار والقيم والتحولات التي تتأثر بها ريشة الفنان. فهل تمثل لوحات الفنان "طلال معلا" تطورات الصراعات في النفس الإنسانية؟

انسجام تفاعلي بين الألوان والتعبيرات المرتبطة بالقضايا الإنسانية، ليحتفظ كل لون في لوحات "طلال معلا" بمعنى خاص يعكس الوجه الإنساني لحضارة من الماضي هي حاضر الفنان "طلال معلا"، ليحتفظ بالحقوق الإنسانية لمستقبل تكون اللوحة فيه هي الوجه الأساسي القائم على أسس تشكيلية لا يمكن محوها عبر التاريخ، لأنها تحمل من صفات الواقع التخيلات الهادفة إلى صقل المشاعر والأحاسيس التي تهدف إلى رفع المعنى الجمالي وتطوراته ضمن الحركة الداخلية، وقوانين اللوحة التي تهدف إلى التفاعل الإنساني مع واقع المجتمعات التي تتأجج فيها الصراعات والانتهاكات، وتترك أثرها الكبير على الإنسان، مما يعطي قيمة مضافة لمعنى الفن التشكيلي الذي تبرز من خلاله الأفكار التي ترمز إلى القوى الإنسانية وثوراتها النفسية الداخلية العارمة بالألوان المختلفة، النارية منها والباردة، والقادرة على خلق عدة تفاصيل جدلية ذات أسس جوهرية لمنطق الجمال التعبيري الذي يجسد كافة التشكيلات ومقاييسها المعاصرة، والمتحررة من القوالب الضيقة، لتتسع المفاهيم في لوحات "طلال معلا" وتتخذ عدة أشكال ورموز إنسانية باعتبارها مرآة الحياة. بل ومكنون الإنسان الذي يحتفظ من خلالها بهمومه ومخاوفه الإنسانية لربط الحركة في اللوحة بالحياة اليومية. بل وبتاريخ الصراعات التي تقلق البشرية. إذ تختنق الألوان في لوحات الفنان "طلال معلا" ليتنفس اللون الأبيض رحيق الحياة حيث الاتجاهات المائلة التي تميل مع المعاناة، وشدة الألم أو الفرح. إلا أنه يمتلك تصويرات جوهرية تنبع من الداخل الإنساني، لتنطلق نحو الخارج بكينونة ذاتية تترك أثرها على ريشة إيقاعاتها نغمة سكون شبيهة بصوت الماء. لأن الحركة في لوحات الفنان "طلال معلا" هي لعبة نور وعتمة أو ظل ضوء، ولعبة داكن وفاتح، وخطوط لونية تمتزج مع عبق المعنى الموضوعي في لوحات نسمع صوت ربيع ألوانها، ونستمتع بخريف ظلاله غائمة، وبشتاء أبيض ينبع من جرأة اللون الأبيض الصارخ بأوجاع يريد الفنان "طلال معلا" محو أوجاع الإنسانية كلها من خلال الرموز الدلالية والمجهولة تعبيرياً حيث تبدو الملامح فاقدة للرؤية، وتفتش عن ذاتها في كل الاتجاهات، ولا تستطيع الاقتراب من الخط المستقيم. لأن شخوصه مجرد أهواء تميل مع أي عاصفة. لكنها تبحث عن الحياة وتحاول مقاومة الريح. كما تقاوم ريشته الأسلوب التجريدي. لتتشظى في أساليب رمزية وتعبيرية وانطباعية جمعها في عمل فني صامت ينطق لونيًا بحقوق الإنسان واحترام الحياة.

يتواصل الفنان "طلال معلا" مع العالم الخارجي من خلال فكر فني يميل إلى رمزية غامضة، يتركها لتعصف ذهنيًا بمتلق يتأمل كل لون، وكأنه كائن حي ينادي بالوجود، وبحق تقرير مصيره. إذ يلامس بذلك واقعية تجعلنا ندرك قيمة النص الفني التشكيلي المقروء بصريًا في عمله الفني الذي يتوجه به إلى العالم في ظل عولمة سريعة الانتشار تشبه ومضة اللون الأبيض، وبرمزية سيف بشطر الماضي والحاضر، ولكن بانتظار مستقبل مجهول، بما يبدأ بكارثة تعيد له الحياة التي يبحث عنها، ليحيا بسلام وسط الألوان الإنسانية المتعددة في كون تجمعه عناصر شبيهة بعناصر اللوحة القادرة على منح رؤية تعيد لنا النظر والإحساس بالجمال، والعودة بعد موت فكري ترك الإنسان كأجساد خاوية لا مقاومة فيها، وهي مائلة حتى من الضوء. لأن الألوان الداكنة هي جزء من غموضه هو كفنان يرسم بصمت، بما يفكر به نحو شعوب يتمنى لها أن تمسك سيفها بيمينها لتستطيع تغيير الألوان القاتمة، ورمزية اللون الأحمر الذي يوحي بالدماء، ولكن أيضًا بزهور الأمل.

تكتنز الألوان الممزوجة بتقنية سردية أقنعة بلاغية لها سيميائيات لونية تشير كل منها إلى اتجاه خاص، لا يمكن جمع هذه الأفكار إلا من خلال اللون الأبيض، والذي هو مزيج كل الألوان الباردة والحارة أو بالأحرى السلبية والإيجابية، ولكن محا الملامح الإنسانية ببراعة تشكيلية حيث تاه النظر في مرئيات بصرية لا تعتمد على الشكل الواضح للإنسان، إنما على الحس والإدراك للجمال والقبح، وللمتناقضات التي تجعلنا نبحث عن الأشكال المغطاة بالألوان أو عن خط أفقي أو عمودي في لوحة تثير علامات التعجب في اتجاهاتها الخطوطية، ومفاهيمها التشكيلية المنقوصة نفسيًا من حيث قوة التأثر والتأثير بها، وبألوان نفتقد لوجودها في لوحة تحاور ذاتها، وتحاكي الوجدان من خلال عدة انفعالات لونية منها الأصفر والأزرق القاتم، ويخاطب العقل بالفراغات التأملية القادرة على خلق المعاني التي تبثها ريشة تفتش عن الإنسان القادر على الرؤية والمتجه نحو السلام.

يتعمق الفنان "طلال معلا" في تفاصيل لوحته محاكياً بذلك العناصر الفنية من خلال مفردات جمالية تتمسك بمفاهيم فكرية يطلقها مع الضوء، ومع انبثاق تحولات مفاهيمية للخطوط الانسيابية، الفاصلة بين الفراغات الموسيقية ذات النغمات الهادئة، التي يتشرب اللون منها شفافية ذات تأثيرات بصرية توقظ الأحاسيس العاطفية، وتخلق مشهداً درامياً ذا مؤثرات بانورامية وتدرجات تجريدية مؤثرة، لنتعاطف مع شخوصه بموضوعية فنية لها تشكيلات تضم النظر من الخارج إلى الداخل، وكأن ألوانه تعصف ببعضها البعض. لتتجه نحو وسط اللوحة كنقطة ثابتة في الحياة، وهي كينونة الإنسان واحترامه لنفسه ولحقوق الآخرين.

رمزية لونية ذات رؤية تفتقدها شخوصه التي ترمز إلى المجتمعات بأشكالها المختلفة حيث البساطة الفنية في تجسيد مرئي له حركته البصرية الخاصة بكل لون تكويني يعكس أساس الوجود. أو يهدف إلى فهم قيمة المعنى للون، فألوانه تتغير معانيها تبعاً لأحجام أشكاله الفنية، وقدرتها على المحاكاة مع بعضها البعض. إلا أن المتلقي يشعر بمحاولات الريشة في خلق تناغمات بين الجزء والكل، وبين الظل والنور، رغم اتجاه الفنان "طلال معلا" نحو الألوان الداكنة، وكأنه يغوص في قدرات المجتمعات الإنسانية المترددة بمقاومتها للضوء، وكأنها اعتادت على العتمة وعلى الغيوم الملبدة في أمكنة لا يحاول الحفاظ عليها، أو بالأحرى عجزه عن الانتقال من مكان لآخر.

يترك الفنان "طلال معلا" لتوازنات الألوان ميزة خاصة به، لأنها تميل إلى طول موجي متوازن ضوئيًا حيث يشعر الرائي بتغيرات اللون الحركي حسياً، وعند النظر إلى اللوحة من أماكن مختلفة، فريشته الفنية ذات نبرة ضوئية تتماوج نسبيًا مع موجة كل لون يمزجه حسب رؤيته التي يخاطب بها لوحته الفسيولوجية التي تعالج مواضيع اجتماعية. يطرحها ضمن أبعاد جمالية لها أسسها التشكيلية القادرة على خلق رمزية تعبيرية لها ألوانها التجريدية الخاصة، وشخوصها الضعيفة في مواجهة الحياة أو رؤية الجمال في التفكر الفني، مما يمنح الوعي قيمة تحررية انطلقت من مفهوم اللاوعي الغارق بالأسرار الذي يدعونا إلى فهمها. لنصل من خلال تحاوراته إلى فلسفة تعيد للإنسان قيمة وجوده ككائن خلق في أحسن تقويم.

dohamol67@gmail.com

Doha El Mol