أوركسترا بصرية توحي بالوهم الخارجي للمحيط المؤطر بالخير والشر.

ضحى عبدالرؤوف المل

يفتح الفنان "أنطوني راسيل" (Anthony Russell) العين البصرية على مزيج من الإيقاعات الحياتية المرتبطة بالكائنات فيها من الإنسان إلى كل ما ينبض بالحياة من حوله، ليؤلف أوركسترا بصرية توحي بالوهم الخارجي للمحيط المؤطر بالخير والشر والجمال والقبح، للدخول إلى جوهر الحقيقة من خلال لوحة مبنية على مقاطع تصويرية تجمع الواقع والخيال بسريالية لا حدود لها. إذ تتقطع وتتلاقى بتنافر وتناغم بين الجزء والكل، وفكرة الدمج بين المعنى والمبنى من خلال الصخب الموضوعي للألوان والأشكال التي تضج بالحياة، وبفن تصويري تتلاحم فيه أجزاء الأدب والسمفونيات من شكسبير وصولاً إلى كارافاجيو حتى فلسفة الحياة وزمنيتها المتعاقبة على الإنسان بكافة مراحله من الكلاسيكية حتى الحداثة. ليقدم "أنطوني راسيل" لوحات تصويرية معاصرة تتشابك فيها الإيقاعات اللونية، وتتلاحم معها الأشكال بجمالية سينوغرافية غريبة الأطوار في أسلوبها المندمج كلياً مع المساحة والفراغات والتعتيم اللوني.

أبعاد منظور فكري تمثل المجتمع البيئي بمشاهد تختلط من خلالها الرؤى الفنية في الحياة بموسيقية المقاطع التصويرية التي يظهرها "أنطوني راسيل" بصرياً وبشكل مرئي ولا مرئي، ليوحي بقيمة الداخل وانعكاساته على الخارج السريالي الذي لا يشعر به الإنسان، لأنه ضمن الواقع كأنه داخل لوحة لا يمكن رؤية أبعادها ما لم يُرَها من كل الجوانب الحياتية والفلسفية، لندرك قيمة التحولات عبر المكان والرؤية والزمن والجمالية معاً. إذ يبدو التمثيل التصويري في لوحات أنطوني هو جزء من لعبته الفنية التي أتقن إيقاعها الداخلي بمتانة فنية محبوكة بسلاسة دون تعقيد، وبخلفيات بنائية لمفاهيم تلعب دورها في التأثير الحسي والبصري والوجداني، وبحساسية كلاسيكية معاصرة تجمع الماضي والحاضر عبر أساليبه الحديثة في تجميع المواضيع المختلفة تحت عنوان واحد لكل لوحة يلعب فيها الإيقاع الحركي دوره وأبعاده ومنظوره الجمالي.

تسمو لوحات الفنان "أنطوني راسيل" وفق حسيات التصوير بواقعية وسريالية، حتى بتجريد يخوض اللون غماره بقوة المعطيات الممزوجة معاً من حيث القياسات والمساحات المتداخلة مع بعضها البعض في لوحة واحدة. إذ تنحصر الدلالات الفنية بين المكان والرؤية، ليصبح الزمن هو لوحة مولودة بنظرة موسيقية لا تتعدى الفنتازيا التشكيلية الحديثة، المتمثلة بالفن الموضوعي لإبصار التفاصيل الخلفية اللامرئية بين الزوايا الحسية للفضاء الخارجي للمشهد التصويري الذي مزجه مع الفنون الأخرى بحدس ذي أبعاد ثلاثية، وبحركية فراغية يفتش عنها البصر بين كثافة الخطوط والشخوص والصخب بمعناه الواسع والضيق فنياً، للإيحاء بتفاوت المكان حرارته وبرودته وأهميته تبعاً لدرجات الرؤية من قريب وبعيد، وبمفهوم رياضي تتفاوت فيه الأبعاد الهندسية لبناء اللوحة.

تهرب الخطوط في لوحات الفنان "أنطوني راسيل" عبر نقطة التلاقي وتلاشيها. إذ تنعكس حركة الخطوط على الرؤية، وبعمق فني تمثيلي تصويري دون تشتت البصر. رغم الحركة اللونية الزائدة في اللوحات التي تجسد الفكر الفني لأنطوني، ليحافظ على الحداثة الفنية وفق بصريات مشيدة بدعائم هندسية إيقاعية، متناغمة بتضادها وبمنظورها الذي يستولي على الحس الوجداني، وعلى العين التي تتفحص زوايا كل حركة في اللوحة، مع الحفاظ على جمع الخطوط المتوازية بدقة يتولى المعنى تحليلها، لتتجسد موسيقاها المنسجمة مع الترتيب الكمي، لضجيج الحركة وصخبها إلى سكون محسوس عند اكتشاف الفضاءات السريالية التي تتكون منها لوحاته الفنية المتميزة بثلاثية الرائي، والمكان، والزمن المتلاشي عبر التكوينات المتقطعة وغير المكتملة، لتكتمل عبر الخيال الداخلي الذي يحتفظ به أنطوني داخلياً، وبانطباعات ذاتية لا تخلو من خدع بصرية خفيفة تعتمد على قيمة التصويرات والفنتازيا التشكيلية.

يُعتبر "أنطوني راسيل" واحدًا من أبرز الفنانين المعاصرين الذين يدمجون بين الواقع والخيال بطريقة تُحدث تأثيرًا عميقًا في المشاهد. تتميز أعماله بتفردها في تقديم رؤية سريالية تُركب بين الإيقاعات اللونية والأشكال المتداخلة، مما يجعلها تجربة بصرية غنية ومعقدة.

تتميز لوحات "راسيل" باستخدامه المبتكر للألوان والأشكال، حيث يُظهر براعة في خلق توازن بين التناقضات والانسجام. إتقانه في توظيف الألوان وتكوينها داخل الإطار الفني يعكس فهمًا عميقًا للتفاصيل الدقيقة وأثرها على التفاعل البصري. الألوان التي يستخدمها ليست مجرد أداة تعبيرية، بل هي جزء لا يتجزأ من البناء الهيكلي للعمل الفني. الألوان المتباينة والتظليل الدقيق يساهمان في خلق إحساس بالتعمق والتباين، مما يعزز التجربة السريالية التي يهدف إليها.

الفنان هنا يستخدم الخطوط ليس فقط كوسيلة تشكيلية، ولكن كأداة لنقل المشاعر والتجارب الشخصية. تتكاثر الخطوط وتتلاشى بشكل يجعل من الصعب تحديد بداية ونهاية العمل، مما يعزز من الطبيعة المتغيرة للزمن والمكان في أعماله. هذا التداخل بين الخطوط والعناصر الأخرى يخلق توترًا بصريًا، مما يحفز التفكير ويجعل المشاهد يشارك في تفسير العمل بشكل شخصي.

إضافة إلى ذلك، فإن أسلوب "راسيل" يعكس تأثراً واضحاً بالفنون الأدبية والموسيقية، حيث يدمج بين عناصر الأدب والشعرية في التكوين البصري. إن الجمع بين الفلسفة والفن في أعماله يعكس قدرة على التواصل مع المشاهدين على مستوى عميق وشخصي. من خلال دمج المشهد البصري مع الإيقاعات الموسيقية والشعرية، يخلق "راسيل" تجربة فنية متعددة الأبعاد تدعو للتفكر والتأمل.

إن الأبعاد النفسية والفلسفية لأعماله تجعل منها مادة ثرية للبحث والنقد. فهو لا يكتفي بعرض الجماليات الخارجية فقط، بل يغوص في أعماق تجربة الإنسان وتفاعله مع العالم. توظيفه للعناصر السريالية ليس لمجرد الإبهار البصري، بل هو وسيلة لاستكشاف التجارب الإنسانية والعواطف التي قد تكون غير مرئية في الحياة اليومية. بشكل عام إن أعمال "أنطوني راسيل" تبرز كأمثلة رائعة على كيفية استخدام الفن كوسيلة لاستكشاف الأسئلة الفلسفية والعاطفية العميقة. من خلال توظيف تقنيات مبتكرة ودمج عناصر متعددة، يقدم "راسيل" فناً يتسم بالتعقيد والجمال، ويشجع على التفاعل العميق والتأمل.

dohamol67@gmail.com

Doha El Mol