هلامية الوجود ومرئية الأشكال المختزلة
ضحى عبدالرؤوف المل
تتناقض الفنانة التشكيلية "فاديا حداد" (Fadia Haddad) مع الذات من خلال ريشة وخطوط تتوازن ما بين العريض والرفيع، والعبثية والوجود، ومفاهيم مضمونية وأسلوبية، بتلاعب فني يمزج العبثية بفوضوية الخطوط وسيمتريتها المتقاطعة مع الأسس البنائية للوحة، مما يجعلها توحي بالخطوط الأساسية لأشياء، أو بالأحرى، تركيبتها كما تراها هي، كأنها تصحح الرؤية الفنية بالعودة إلى أسس الخطوط وأهميتها في بناء الشكل، بل وفي انطلاقتها النفسية على الورق المعتق والمصقول، لينسجم مع الأبعاد الزمنية التي توحي لها، وبعمق ذاكرة تجمع بين البداية والنهاية والطفولة ببراءة رؤيتها للأشكال والألوان، إنما ضمن قياسات انعكاسية هي جزء من لعبتها التشكيلية التي تعتمد على الخط وقوته، ونوعية اتجاهاته ومساراته عبر معايير اللوحة ومساحتها بتلقائية تتماهى مع الرمزية، وفضاءات الإنسان وحنينه إلى العودة دائمًا، إن للون أو للطفولة أو لمنابع الطبيعة البكر أو للحفاظ على البيئة أو حتى للسلام.
تعيد الفنانة "فاديا حداد" الشكل إلى هيكله بموضوعية واختزالات ذات دلالات فنية تفتح فضاءات التخيل عبر واقعية البنية التي ترسمها بديناميكية بسيطة خارجيًا، وعميقة داخليًا، تضفي على التصميم المشيد نوعًا من البعد المنظوري لخطوط تعكس هلامية الوجود ومرئية الأشكال المختزلة، بتلاحم وانفصال عبر تلافيف اللون ومحوره في صياغة المعنى بتناسب وتوازن، وتكوين ذي حركة فلسفية وهندسية تنبع من فلسفة الأبعاد المرئية وغير المرئية. إذ تلعب الفراغات دورها في خلق إيحاءات لرسوم حسية تعكس مفهومي الواقع والمتخيل عبر الخط والفراغ والظل، لتتسامى الرؤية الفنية عبر الإحساس الداخلي عند رؤية لوحات الفنانة "فاديا حداد".
وعي ديناميكي لامتداد زمني تحاول الفنانة "فاديا حداد" إعادته لأسس النهج البدائي الذي يعيد الإنسان إلى بدايته الكهوفية والرسم عليها، لتتخذ الخطوط ترجمة فنية ذات أبعاد مضمونية ترتبط بالمعنى والمبنى معًا، لتتكون المفاهيم التشكيلية عبر النسق الجمالي للفراغات والإيحاءات التي تستنطق المنطق البدائي، بسرد تبسيطي نراه من خلال خط وفراغ وسيمترية ذات منظور متحرر من القيود والصنعة، كلغز صامت تحاول تفكيكه من خلال لوحة تعيدها إلى ذاتها وتمنحها الإحساس بالولادة من جديد.
تراكمات واقعية لمتخيلات فراغية ترى الأشياء الانعكاسية من خلال الفراغ، لينفصل اللون غالبًا عن اللوحة، وكأن للون في لوحاتها حكاية عبثية أخرى تحافظ من خلالها على قيمة الخط في انحنائه وأفقيته وعاموديته وميلانه، وحتى تكسراته الممزوجة بنوع من تجريد سريالي لقصة طفولية ترسمها بخط هندسي هو أساس لوحات الفنانة "فاديا حداد" ومزاجيتها الفطرية المغايرة بخفاياها المتناقضة بين سكون وحركة، لخطوط كعلامات تعجب تضعها أمام الرائي بحس اغترابي صامت يتوخى الفصل بين المسافات التي تغطيها من حين لآخر بالألوان. إذ ترمي بأقنعة الحياة النافية للبراءة التي تبحث عن كينونتها حداد بتماسك الإيقاعات الخطوطية، والحفاظ على أبعادها ورؤاها ضمن العمل الفني الذي تتوجه بتوازنات الماضي والحاضر أمام المستقبل الغامض المخفي المعالم. إذ تتميز لوحاتها بالعودة إلى الكهوف والإيحاء بالتعتيق الزمني دون الاهتمام بالرؤى المستقبلية لأمكنة لا تبحث عنها، لأنها تتجه برسوماتها نحو الطبيعة محافظة على جمالها، وبثلاثية الصمت والعتمة والفراغ. ليبقى الخط هو سيد اللوحة والرموز هي التي ترتقي بلوحاتها نحو الرؤية الفنية العبثية، ولغة التناسب الفراغي بين الجزء والكل، كحكمة حياتية تتركها محبوكة في لوحة هي قطعة من الذات الإنسانية التي تبحث عنها "فاديا حداد" من خلال العودة إلى الخطوط.
تعتمد فاديا حداد على استخدام مجموعة متنوعة من الأدوات والتقنيات التي تعزز من تعبيراتها الفنية. فاختيارها للخطوط كأداة أساسية يعكس اهتمامها بديناميات الشكل والأبعاد. تتقاطع الخطوط في أعمالها بطرق تعكس التوازن بين الأبعاد الهندسية والتجريدية، مما يخلق مشهدًا بصريًا يتحدى الأفق التقليدي ويثير تساؤلات حول طبيعة الوجود والفراغ. غالبًا ما تستخدم حداد الورق المعتق والمصقول كوسيلة لإبراز التأثيرات الزمنية، مما يضفي عمقًا تاريخيًا على أعمالها ويعزز من الشعور بالحنين إلى الماضي.
تلعب الخطوط في أعمال فاديا حداد دورًا رئيسيًا في بناء الواجهة الفنية والتعبيرية. فهي لا تستخدم الخطوط فقط كعناصر تزيينية، بل كوسيلة للتعبير عن مفهوم الوجود والعدم. في لوحاتها، يتداخل الخط مع الفراغ بطريقة تخلق تباينًا بين التواجد والغياب، وهو ما يعكس البحث المستمر عن المعنى والغاية في عالم متغير. هذا الاستخدام للخطوط لا يقتصر على الجانب البصري فحسب، بل يتجلى أيضًا في الجوانب الفلسفية والرمزية التي تعبر عن التجربة الإنسانية.
تستثمر فاديا حداد في استخدام الرمزية والتجريد لإيصال أفكارها العميقة. تعكس الرموز المستخدمة في أعمالها تأملاتها في مسألة الهوية والتجربة الشخصية، بينما تعزز التجريد من حرية التفسير وفتح الأفق للتأملات المتعددة. على سبيل المثال، يتمثل التجريد في استخدام الألوان والخطوط بشكل غير تقليدي، مما يمنح المشاهد الفرصة لاستكشاف تفسيرات متعددة للأعمال الفنية.
تلعب الأضواء والظلال دورًا أساسيًا في خلق الأبعاد والتأثيرات الديناميكية في أعمال فاديا حداد. فهي تستخدم الضوء والظل ليس فقط كعناصر لخلق التأثيرات البصرية، بل كوسائل للتعبير عن مشاعر وأفكار معينة. الإضاءة في أعمالها غالبًا ما تكون غير متوقعة، مما يضيف عنصر المفاجأة ويعزز من تجربة المشاهد.
تعود أعمال فاديا حداد في بعض الأحيان إلى الجذور البدائية للفن، مستلهمة من الرموز والتقنيات القديمة. هذا البحث عن الأصول ليس مجرد تكرار للماضي، بل هو محاولة لإعادة اكتشاف الجوانب الأساسية للفن والتعبير عنها بأساليب معاصرة. تعكس أعمالها تقديرًا للتاريخ الفني وجعلها جزءًا من الحوارات الفنية الحالية.
تتميز أعمال فاديا حداد أيضًا بتصويرها العاطفي والإنساني. فهي لا تقتصر على التعبير عن الأشكال والألوان، بل تتجاوز ذلك لتجسيد المشاعر والتجارب البشرية. تستند أعمالها إلى مزيج من الذكريات والتجارب الشخصية، مما يخلق صلة عاطفية قوية بين المشاهد والعمل الفني.
تتسم أعمال فاديا حداد بالقدرة على استكشاف الزمن والتحولات التي يمر بها الإنسان. فهي لا تعالج الزمن كعنصر ثابت، بل كمجموعة من التغيرات والتطورات التي تؤثر على الوجود. هذا التأثير الزمني يتجلى في استخدام الألوان والأشكال والخطوط، مما يعكس الحركات والتغيرات التي يمر بها الفرد والمجتمع.
تقدم فاديا حداد أعمالاً فنية تتسم بالابتكار والتجريب، مع التركيز على الجوانب الرمزية والفلسفية للتعبير عن الوجود والعدم. تميزها أساليبها المتنوعة في استخدام الخطوط والألوان والفراغات، مما يجعلها فنانة تثير الإعجاب وتستحق التقدير. من خلال أعمالها، تفتح حداد أبوابًا جديدة لفهم الفن والتعبير عن التجربة الإنسانية، مما يعزز من مكانتها كفنانة معاصرة بارزة.
dohamol67@gmail.com
Doha El Mol