استدراج البصر نحو نقطة ثابتة تمثل البداية والنهاية
ضحى عبدالرؤوف المل
يجسد المنظور اللوني منطلقًا يتناسب مع مفهوم السرعة ومعادلات المسافة في أعمال الفنانة لينا يونس، حيث تتباين خطوط اللون وفروقاتها الداكنة والفاتحة، تبعًا للإدراك الحسي المرتبط بحجم الأشكال ووظيفة اللون في منح تأثيرات بصرية. إذ تتجلى السرعة في تمازج الألوان كفترة زمنية ذات انطباعات تشكيلية عميقة، في لوحة تتميز بمنظور هندسي يميل إلى استدراج البصر نحو نقطة ثابتة تمثل البداية والنهاية، عبر مفهوم الخطوط الوهمية، واندماجها مع خطوط اللون الأساسية المشدودة بقوة اللون ونسيجه الداخلي الثابت في متغيراته الضوئية من حيث المفهوم الرياضي قريب وبعيد، وتأثر الضوء بين المفهومين لتتكون الأبعاد وفق معايير ريشة تنشد بناء المشهد الزمني المتسارع في الحياة.
عناصر مرئية تتفاعل بصريًا مع مؤثرات السطوع في لوحات الفنانة لينا يونس، ذات البيئة الحياتية المستمدة من الواقع، تخيلات لونية شديدة الحبك في تطلعاتها السيمترية والرياضية حيث تطرح أفكارها الفنية وفق أبعاد المنظور والإدراك الحسّي للون للحفاظ على درامية الحركة وتوازنها وفق اختلافات تموجات اللون وتدرجاته داخل الأطر المحدودة القياسات واللامتناهية في أبعادها التكوينية البسيطة والمعقدة، وخطوطها اللونية العامودية والمنحنية ذات القوة والمتانة، والرقة والأنوثة، والإحساس بالعمق في الخطوط الأخرى المتوازية في رؤيتها الفنية، المطابقة له والمتغايرة في التخيلات والانعكاسات، وإيحاءات الخطوط المتوازية ذات الأنماط البصرية، المبنية على استنتاجات منطقية في بناء اللوحة الاختزالي، المتماشي مع كثافة اللون وقوته وجرأته، وتضاده اليقظ المثير في سطوعه وبنيته السطحية والعميقة، لترصد توظيف الصياغة اللونية في رسم الأبعاد عبر الأساليب الإدراكية، المتخيلة لتمزج بين واقع الصورة والواقع المرئي، لحركة تتركها تتغلغل في عمق اللون والضوء والظل بتجانس افتراضي شديد الترابط إن بشكل جزئي أو كلي.
خصائص تشكيلية لا معيارية في تطلعاتها ومتغيراتها من حيث الشكل أو الحجم أو الرؤية الهادفة إلى إيجاد افتراضات تعكس صفات الريشة واتجاهاتها، ومساراتها المتشابكة والمتذبذبة بين المتوقع واللامتوقع، لتخلق ازدواجية حوارية يتأثر بها المتلقي، كما تحاور لوحتها وخطوطها وألوانها بدينامية لا التباس فيها، تفيض بحرارة وبرودة الألوان بتساوٍ ناتج عن خصوصية كل لون ورمزيته، والبنى السردية فيه حيث تتجزأ العناصر الفنية بتناغم وانسجام إيقاعي متسارع الخطى من خلال ضربات الفرشاة العاطفية في انحناءاتها وقوتها الرأسية. إذ تتضح معالم الكينونة الهندسية في لوحات الفنانة لينا يونس من خلال المنظور والانعكاسات التي تعتمد على التناسب المتقارب والمتباعد حسب انساق بسيطة ومعقدة في تواجدها المنفصل والمتصل مع الشكل المحدد والنظرة الرياضية الحادة.
لوحات ذات مقاربات تشكيلية توحي بالواقع وتتعارض معه، بل وتصححه أو تكشف عن أخطائه بجمالية بصرية تنشط وتتفاعل مع الفراغات، والمسافات الفاصلة بتوازن سيميائي يهدف إلى جذب البصر نحو العمق، للولوج نحو المعنى الجمالي المتمثل في شد أواصر الخطوط. لتبدو اللوحة بسيطة في ظاهرها، وفي أعماقها تتشابك فيها المفاهيم الفنية الغارقة بالمنظور والأبعاد الموضوعية، الزاخرة هندسياً بالتطلع نحو فضاءات تفصلها لينا يونس بفراغات تمثل تخيلاتها المفتوحة على لحظة زمنية تسابقها بالألوان وتوليفات الأشكال المتوائمة الرؤية، لتحفيز البصر على الاستكشاف والسير مع اتجاهات الخطوط وشدة حساسيتها الناتجة عن كثافة اللون وشفافيته في آن. إذ تحاول لينا يونس إثارة البصر فيزيائيًا ورياضياً ووجدانياً، لتجمع العاطفة بعقلانية الأحاسيس الحياتية المتمثلة بالخطوط في لوحات تجسد الحياة بكل أبعادها الفنية والجمالية.
تعد أعمال الفنانة لينا يونس نموذجًا بارزًا للتجسيد الفني المعاصر، حيث تتكامل عناصر المنظور واللون في تجاربها التشكيلية بأسلوب يجمع بين التجريد والواقعية بشكل فريد. تقدم يونس في لوحاتها رؤية مبتكرة للعمق والحركة، حيث تنبثق الخطوط اللونية من نقطة ثابتة لتخلق تأثيرات بصرية تعكس مفهوم السرعة والتغيير الديناميكي. هذه النقطة الثابتة، التي تمثل البداية والنهاية، تصبح بمثابة محور محوري يعيد توجيه البصر إلى مركز اللوحة، مما يعزز من تفاعل المتلقي مع العمل الفني.
تحرص يونس على استكشاف الحدود بين الأبعاد البصرية الثابتة والمتحركة من خلال تلاعبها بالخطوط والألوان. تتسم خطوطها بالتماوج والمرونة، ما يساهم في خلق إحساس بالحركة المستمرة والتدفق الزمني. إن استخدام الألوان الداكنة والفاتحة بمهارة فائقة يعكس تباينًا عميقًا ويعزز من تأثيرات الضوء والظل، مما يخلق تجانسًا بصريًا ينغمس فيه المشاهد بعمق.
تعكس الأبعاد التكوينية المعقدة في لوحات يونس علاقة وثيقة بين الأشكال والألوان، حيث تتكامل التدرجات اللونية والأنماط الهندسية لتظهر دقة الأداء الفني وتعقيده. يظهر تأثر الضوء والظل بين المفاهيم القريبة والبعيدة بوضوح، مما يساهم في بناء عمق بصري ينطوي على طبقات متعددة من المعنى والإدراك. بالإضافة إلى ذلك، فإن التوازن بين العناصر الهندسية والتجريدية يعكس تفوق يونس في تكوين مشاهد بصرية تعزز من فهم المتلقي للحركة والسرعة. كما تعكس أعمال يونس تفهمًا عميقًا للإيقاع الفني، حيث تتناغم ضربات الفرشاة مع التكوينات الهندسية واللونية بشكل متقن. هذا الإيقاع المرسوم يدعو المتلقي إلى التأمل في تفاصيل اللوحة واستكشاف الأبعاد الزمنية التي تعبر عنها. إن الجمع بين العاطفة والعقلانية في اللوحات يعزز من تأثيرها البصري والوجداني، مما يجعلها تجسيدًا حقيقيًا لفن يجمع بين الأصالة والتجديد.
تقدم الفنانة لينا يونس تجربة فنية متميزة تجمع بين الجمالية البصرية والعمق الفكري، مما يجعل أعمالها نموذجًا يحتذى به في مجال الفن المعاصر. تعكس هذه التجربة براعة في استخدام الأدوات الفنية وابتكارًا في معالجة المواضيع الفنية، مما يجعلها إضافة قيمة إلى الساحة الفنية العالمية.
dohamol67@gmail.com
Doha El Mol