مجازات اللون الذي يطغى بمعناه على الوجه
ضحى عبدالرؤوف المل
يسلط الفنان " عمرخوري" ألوانه على الوجوه السياسية والعامة. ليستخرج منها مفهوماً إنسانياً يعيد إليها الوجه الآخر من خلال الفن التشكيلي الذي يغوص في عمق النفس البشرية، واللغة الفنية التي تحاكي بمفرداتها البصرية ذهنية الرائي .خطوط تجريدية ذات ضربات عريضة ،وقاسية تضع اللون ضمن معايير يسبغها رؤيته الخاصة في تشكيل تجريدي عبر الواقع، الممزوج برؤية يستخرج منها الإيحاءات المبطنة بإخراجها من مكنون الوجه إلى حوارات اللون، ليفصل بين الواقع والمتخيل بلطشات تجريدية ذات لغة جمالية خاصة به . لتشمل التعبيرات اللونية بغموضها كينونة الإنسان الغامضة بالنسبة له، فما بين الوجودية والعدم عبثية يضعها ضمن تساؤلات تجريدية لا أجوبة عليها. لأنها جدلية كما خطوط الألوان الانعكاسية والعريضة، والمتنافرة في لوحات جمعت حرارة اللون مع برودته في وجوه جمعها بمفارقات تخيلية متعددة . إذ تجسّد كل لوحة بمعناها التشكيلي أسلوباً يرى من خلاله الآخر بسيميائية وبمجازات اللون الذي يطغى بمعناه على الوجه.
الألوان الإنسانية حقيقة وجودية لا بد من اليقين بها اجتماعياً وسياسياً، وداخلياً كالصفات الإنسانية التي تتميز بها كل شخصية. أي بمعنى الألوان الداخلية النفسية التي تعكس شخصية الإنسان، فتترك انطباعاتها على الآخر حيث يرى ابن الهيثم "أنَّ للون وجوداً قائماً بنفسه، فاللون كالضوء قائم في الجسم الذي هو فيه"وهذا ما يجسده الفنان " عمر خوري" في لوحاته ذات الوجوه خاصة، المبنية على المعنى الداخلي من حيث أهمية وجودها في الحياة مع تقدير لتموجات اللون وتدرجاته، ومزجه وضرباته القوية والخفيفة، وملامح أخرى يضيفها على وجوه يريد طمسها أحياناً. لتبقى لغة اللون هي الأقوى وتنطبع في ذهنية الرائي بشكل تتوازن معه المفردات البصرية التي يقدمها بأسلوب بانورامي يتجدد مع الضوء الذي يفصل بين الفراغات، ويمنح الألوان التعتيم والإشراق بنسب تقديرية تبعاً لزمنية رسم بها الوجه الذي أعطاه صفة ريشة تحليلية، تستخرج جوهر الإنسان الذي يمنحها الحس والدافع للرسم ، كما تشعر به من خلال اللون وتدرجاته.
تقنية لونية تعتمد على مزج الألوان الأساسية مع الألوان الثانوية، وبفواصل ضوئية يتركها ميزة في أسلوبه الإيقاعي المعتمد على اللون بالدرجة الأولى في إظهار المعاني القوية في شخصية الإنسان أو بالأحرى في الوجه الذي يرسمه بتجريد ذي تعبير لوني. تتضاعف كثافته وتنخفض تبعاً للمعايير المنسجمة مع الحجم والانعكاسات الإيحائية المتراكمة بين طبقات الألوان الأساسية والثانوية ، وبأفقية تغلب على العامودية. لتشكل بتغيراتها تأثيرات على خاصية كل لون حسي ومعنوي ومجازٍ مع الاحتفاظ بميزة الأخضر الممتلئ وميزة الأبيض وأسراره الضوئية التي تلامس الظل في سطوعها وإشراقها.
تتوقد الألوان وتصفو في تحولاتها الضوئية المفارقة للاتجاهات صعوداً أو نزولاً، وبين الخطوط اللونية المنحنية بعاطفة يلفها بامتلاء مقصود تنكفئ أحيانا أمامه الألوان الأخرى، الثانوية بتجريد يفرض على قوانين اللون ميزة سلسة تعبيرية في فلسفتها الإنسانية التي تعلو فوق التجريد والتصوير وغيرها، وفق انزياح له محاوره التأويلية بسيكولوجيا ترمز للعمق المضموني في اللوحة ، لتظهر ملامح وجوهه كلغة إنسانية يقدمها باستبطان نستقرئ تفاصيله من خلال خطوط الألوان القوية التي تتغلغل في طبقات اللون المتمسك مع المساحة، والفراغات، والضوء، والظل، والمعايير المتشابكة مع الإيقاعات التشكيلية، المتنافرة بخطوط المختلفة والمتوائمة مع الصفة الشخصية لصاحب الصورة وضمن بقاطعات ذات مفاهيم تراجيدية أو فانتازية. إلا أنها تتلازم مع بانورامية الشكل الإنساني ومتغيراته السيكولوجية التي يظهرها الفنان " عمر خوري " عبر الألوان والشكل .
من كتابي توازن بصري