ريشة تسرد بحركتها وإيقاعاتها نغمة فنية
ضحى عبدالرؤوف المل
تُضيف " ليلى يبضون شلبي" (Leila Beydoun Chalabi ) لمفرداتها الفنية لغة لونية تكشف من خلالها عن سرد محمل بالانفعالات الضوئية الخاصة بتدرجات كل لون ومؤثراته البصرية، وبغموض فني يوحي بشفرات عمل تترجمه الفروقات اللونية ما بين الأصفر، والأحمر، والخطوط المغلقة والمفتوحة، وبتمثيل انطباعي، لطبيعة تمثل الحياة بتفاصيلها المتنافرة لونيا، والمنسجمة مع إيقاعات الخطوط الصامتة، والموحية بالحياة وتفاصيلها الفنية عبر لوحة تحاكي الألوان والخطوط بحياكة ريشة تسرد بحركتها وإيقاعاتها نغمة فنية تسترد من خلالها أمكنة عابقة بالذكريات، أو بطفولة تعيد رسمها وفق خربشات خطوط تتشابك فيها المفاهيم الجدلية المحيرة المرتبطة بالحركة داخل اللون، وبمزج يتضح من خلاله عدة إيحاءات جمالية متغلغلة في طيات اللون وكثافته وشدة درجاته. إذ تظهر علاقة المشاعر الحسية والخطوط المتناغمة من خلال حبكة اللوحة العفوية في أسلوبها وانطباعاتها وتعبيراتها الداخلية.
يعتبر اللون عنصراً أساسيا من حركة ضوئية في لوحات الفنانة "ليلى بيضون شلبي" الوجدانية في تطلعاتها الحياتية، المصبوغة بلونين أصفر وأحمر، كأساس بصري مؤثر بتضاد مع التفاصيل والعناصر الفنية المساعدة على استثارة الحس الباطني للطفولة المختبئة في كل منا. إن من حيث التعبير الطبيعي أو من حيث حقيقة الخط الوجودي المتمسك عامودياً بتقاطعات تميل نحو العشوائية ، وفق نظم بسيطة تتشابك معها الألوان المركبة. لتثير بذلك تأملات فلسفية بؤرتها اللون الأحمر وقوة الحياة النابضة التي تمنح اللوحة نبضاً حيوياً، يتمثل بخطوط اللون المنفرد والمتحرر من رؤيتها الشاعرية التي تختلف اختلافاً كلياً عن عبثية الحياة ووجودها الجمالي والتكويني .
تتسع لوحة الفنانة " ليلى بيضون شلبي" لمعاييرها الفنية الخاصة برؤية الحياة التي تعج بالجمال من حولنا ، وببراءة تحمل صفة الطبيعة البكر التي نراها وفق هيكلية الخطوط، بوعي ربما! يتجرد من الانضباط في بعض منه. إلا أنه يحافظ على الإيقاع الداخلي الباعث إلى التفاؤل، والاعتدال والحكمة، والجمال، والهدوء المقترن بتأملات تفرضها الألوان الحارة المعاكسة للألوان المركبة تركيباً متزناً في انفصاله البصري الذي نشعر من خلاله أن موسيقى اللون تتفاوت بين نغمة ونغمة حيث تتجلى بمحاكاتها الجمالية عند تناقضات الأشكال، فيما بينها كالمربع والمستطيل والمثلث الوهمي والمتلاشي بين الأشكال الأخرى، والأنماط التي تتجاوز بابتكاراتها الطفولية الباردة سكون الخطوط وحرارة اللون ، لتستوفي بذلك الفكرة التي تسعى من خلالها إعادة ذكرياتها مع الطفولة والحياة.
إسقاطات لاشعورية على اللون تختزن جمالياً إشراقات تتسم بإشباعات داخلية تتراكم داخل طيات اللون ومعانيه الوجدانية المترنمة موسيقياً مع الأشكال، والألوان، والأحجام، والظل، والخط، والضوء والتآلف مع المتناقضات الحسّية البارزة في لوحة تحاكي الحياة بذاتية تمنحها " ليلى بيضون شلبي" عفوية الطبيعة وجمالها الحيوي، وحتى أنثوية السمات. لتوقظ المشاعر الجمالية ببهجة فنية هي جزء من التعبيرات التي تطمس الواقع بها، لتجعله ضمن الخيال والإدراك التجريدي المشبع بتشابكات صياغية نسجتها لونياً بحبكة وجدانية ذات تناقضات مختلفة في جوهرها إن من حيث المعنى والمبنى أو من حيث نفي الفراغات التكوينية، لتكون ضمن متخيلة تبحث عن ثغرات الضوء اللوني عبر الألوان المتنافرة والحارة، وبخصوصية فنية تضفي عليها " ليلى بيضون" الوحي والإلهام الشعري المرتبط بموسيقى اللون وإيقاعاته الذاتية.
معايير جمالية خاصة مجهولة الأحاسيس عند رؤية لوحة في تفاصيلها محاكاة إنسانية تعيد كل منا إلى طفولته، وكيف يترجمها من خلال اللون وتعبيراته الزاخرة بتفاصيل الحياة التي نتناقض معها عبر الدوافع الداخلية الناتجة عن التأثيرات العبثية الموحية باتجاهات الفن وجمالياته التي تحظى بنغم تتآلف معه حواس المشاهد والفنان، لتتكون اللوحة وجدانياً بتوحّد حسي ينفذ إلى أعماق النفس بشاعرية وجمال يرتكز على نمط طفولي متمسك بالحياة وطبيعتها.
dohamol67@gmail.com
Doha El Mol