الفن البيئي ونقاط القوة البصرية المؤثرة في حواس الإنسان

ضحى عبدالرؤوف المل

ينطوي الفن البيئي على مفاهيم متعددة. إذ يساعد على تحسين العلاقة بين الإنسان والعالم الطبيعي ضمن متغيرات نستعرض مشاكلها بين الحين والآخر، ونحاول قدر المستطاع الحفاظ على بيئة تتوفر فيها الشروط الصحية والجمالية باستخدام عدة مصطلحات لغوية أو فنية، وفي شتى المجالات للحفاظ على سلامة البيئة ومن ضمنها الفن البيئي ونقاط القوة البصرية المؤثرة في حواس الإنسان. لأن البعد التأملي في الطبيعة يتوازى مع الخلق الإبداعي الذي يعتمد على إعادة تدوير المواد الأولية المستخدمة في هذا الفن البيئي الخاص بالإنسان، وبتفاعل حسي يندمج مع الفن المعاصر وجماليته التقنية التي تعتمد على تجميع المواد وتصميم الفكرة والمباشرة بالعمل الفني المتحرر من التشكيل والمنسجم معه في آن. باعتباره عملا بيئياً إبداعياً يرتبط بالبحث عن إعادة تدوير مخلفات الإنسان ووضعها ضمن مفاهيم العمل الفني وجماليته، مما يدفع الحواس نحو تأملات عميقة التحليل وقوية في تفاصيل الفكرة التي تعالج بيئة المجتمعات الإنسانية والرؤية المرتبطة بالمواد العضوية المرمية هنا وهناك ، لتصبح عملاً فنياً يعيد للطبيعية عذريتها المزدانة بالجمال وبالحيوية الخلاقة.

إن النظم الإيكولوجية للفن البيئي تساعد في استعادة الحركة الجمالية، لتشويهات طبيعية تأثرت بالمتغيرات ولنقاط قوة تبرز في المواد المهملة التي يتم تحويلها بصرياً إلى عناصر فنية تخاطب الحس العام بدهشة تصدم المشاهد أولاً، ومن ثم معناه والمواد البنائية المؤسسة لأي عمل فني مفاهيمي أو تركيبي أو إبداعي أو حتى تشكيلي، لتتكون المفاهيم الجمالية وفقاً لتأثيرات العمل على الذوق حيث يتم صقل العمل بصرياً، وتصل رسالته الإنسانية إلى الرائي بعيداً عن الهدف التشكيلي أو المفاهيمي، وما إلى ذلك لأن العمل الفني البيئي يهدف إلى خلق جمالية خاصة تتعلق بالمواد المهملة المضرة بالبيئة وإعادة تدويرها من خلال عمل بصري بمختلف اتجاهاته الإدراكية القادرة على المحاكاة بكل أنواعها وفوائدها البيئية والجمالية.كأعمال " سامي مسيح " المصنوعة من أكياس النايلون وأوراق وغصون أشجار. إضافة إلى بقايا آلات كهربائية كالمراوح ومكيفات التبريد التي يحاول من خلالها الوصول إلى كتاب غينيس بشخوص حركية مؤلفة من هذه الفضلات.

البيئة الفنية هي المحيط المشبع بالجمال، وذلك لحاجة الإنسان إليها إن من حيث تصريف المادة المهملة أو من حيث تشكيل الأعمال الإبداعية المنوطة حتى بالاختراعات القائمة على بساطة الفكرة والمادة معاً، وما بين مكونات جامدة ورؤيا حركية نقاط مشتركة، منها التصميم والتنفيذ والإنتاج بدءاً من المناطق المحيطة بالإنسان وصولاً إلى الأماكن البعيد عنها، ليصطاد مادته حتى من الطبيعة والغابات التي تحتاج إلى مكوّن حي مثل يد الإنسان لرعايتها، والاهتمام بها والارتقاء بها نحو الصحة والجمال. لتتطور المجتمعات وتصبح قادرة على مواجهة الخلل البيئي الذي يحكى عنه، وعن مخاطره في الآونة الأخيرة. إن ديناميكية الفن تكمن في حفاظه على سلامه بيئة المجتمعات الإنسانية بتحويلها إلى مَعلم بصري تتجانس فيه المستويات الفنية، وإن بسذاجة أو بعفوية فطرية تبدأ من المراحل الأولى للإنسان حيث تنمو اهتمامات البيئة معه خلال مراحل حياته ويستطيع من خلال ذلك بالاهتمام بالبيئة من حوله بأبسط الأفكار وأجمل الأعمال، وحتى باختراعات يمكن رعايتها من الجمعيات الأهلية أو الدولية. فهل نحلم بهذا في لبنان أم أننا لا نستطيع الاهتمام بهذا النوع من الفن، ليصبح مع الأيام من أهم الفنون؟

يتفاعل الإنسان بشكل عام مع المحيط البيئي من حوله، ويحاول ربط الجسور ببعضها، ليحافظ على حيوية محيطه محافظاً بذلك على بقاء النوع الإنساني سليماً معافى من أي تلوث قد يحيط به أو يتأثر به . هذا في المجتمعات المتقدمة أما في الدول النامية، فما زلنا بحاجة إلى تحفيز وتشجيع الأجيال. لتحمل هذا الفن محمل الجد حيث يتابع كل جيل ما وصل إليه الجيل السابق ضمن منظومة بيئية مدروسة جيداً من قبل المهتمين بهذا الفن البيئي المحاكي للحواس البصرية، وللتوازن البيئي المتداخل مع الأنشطة الحياتية المتنامية، ومع العمل الفني باعتباره المساحة التي تحتوي على المكونات الأساسية التي تشكل في حد ذاتها حماية بيئية يحدد أهميتها الفنان نفسه إن من حيث التأليف أو التصميم أو التنفيذ أو خلق استعمالات شتى يمكن الاستفادة منها بشكل عملي ضمن استخداماتنا اليومية.

لا يمكن تجاهل العلاقات الترابطية في العمل الفني البيئي مهما بلغت معاييره أو مقاييسه. لأن أي تركيب إبداعي أو صوري لا بد أن يرتبط بالخط واللون والشكل والملمس، وربّما بالمساحة والقدرة على توزيع العناصر فيها بشكل هندسي يثير الفكر بتمثيلاته التخيلية أو الواقعية، وإن من خلال الانسجام والتضاد والمفارقات الرياضية البسيطة الشكل والغنية بالمعنى والمبنى ، والحركة، والسكون والإيقاعات المتعلقة بمكونات العمل الفني التي تسهم في إثراء النشاط الفكري الهادف إلى خلق معادلة جمالية ينتج عنها عملاً فنياً يساعد في تنمية القدرات الفنية من خلال علم الفن البيئي وآليات التخيل المرتبطة به. مما يسهم في تنويع الجوانب الحسّية والبصرية وربطها بالأشكال والمواد المحيطة بنا بيئياً. وهذا يستدعي توظيف هذا الفن في شتى مجالات الحياة ووضعه ضمن المهارات الفنية التي يحتاجها الفرد في المجتمع .

يمثل الفن البيئي صرخة جمالية تتفاعل معها المعايير الإنسانية في المجتمعات الرأسمالية أولا. لتكون بمثابة خطاب بصري مفتوح يعالج من خلاله مشكلة التلوث والتشوهات التي تصيب الكون، ويتأثر بها الإنسان مناخياً وطبيعياً ، مما يؤثربشكل سلبي على صحته الجسدية والنفسية. فمن أهداف الفن البيئي خلق نتاج جمالي يعيد تدوير المرميات أو المواد غير المستعملة أو غيرها، والاستفادة منها في شتى المجالات الحياتية، فهل تدعم الدولة هذا الفن الخطابي الموجه إلى المجتمعات بصرياً؟. ربما الربح المادي لا يشكل هاجساً عند الفنان البيئي لأنه يجسد فكرة الجمال بمواد تضر البيئة لو بقيت مرمية هنا وهناك .إنما من يدعم هذا الفن؟ وكيف نستثمره في مدارسنا لنضعه ضمن بيئة فنية تهتم به وتتطوره ليكون ليس فقط لبنانياً إنما عالمياً ؟.

dohamol67@gmail.com

Doha El Mol