الصراعات الناتجة فنيا عن الأضداد
ضحى عبدالرؤوف المل
تُعطي لوحات الفنان " أحمد نفوري" ( Ahmad Naffory )مقومات لونية تشد البصر فنياً، لتوحي بتأثيرات اللون على اللغة التشكيلية التحاورية، ونقاط التقاطع التخيلي المؤثر ذهنياً على المتلقي تاركاً لخربشاته عبثية وجودية تؤكد على الصراعات الناتجة فنياً عن الأضداد. إن من حيث الألوان أو الخطوط أو من حيث الأحجام والأشكال الإيحائية، وحتى التصويرات التي تتشكل سردياً عبر تفاعلات تكشف عن مكنون تخيلي ذي نسق تكويني تتنافر فيه مقومات الزمان والمكان، وفق بنية تجريدية تحاور الذات تعبيرياً وتتركها وظيفياً بجمالية يسعى من خلالها الفنان "احمد نفوري" إلى دمج الواقع والحلم. ليترك للإيحاء اللوني بشاعرية ملحمية تمثل الصراع بين عوالم مختلفة داخل لوحة تحاكي الوجود بعبثيتها وتغيراتها الواعية سردياً، لحركة اللون وتدرجاته بين داكن وفاتح أو بين الخطوط ومساراتها المتقاطعة بين الواقعي المتخيل، والبناء اللوني بجماليته الشفافة.
تلازم حركة اللون الإيحاءات الداخلية لتعبيرات ذات مضمرات تتصارع فيها شفرات يتركها عبر خطوطه الذاتية، كمسارات الإنسانية التي ينتقدها في خربشاته المشاكسة للبصر، والأنماط التي تفصح عن حيوية حركية عميقة الدلالة فنياً ، فالتشكيلات المتصارعة بين المفاهيم التي يخفيها عبر طيات الألوان وكثافتها أو تعرجات الخطوط وعشوائيتها هي فلسفة تحاكي حركية الواقع المتشابك مع أضداد مختلفة ضمن مساحة واحدة يتحرر منها أحيانا الفنان " أحمد نفوري" كما يتقيد بالرؤية الفلسفية من خلال الفراغات. إلا أنها تشد بعضها البعض ككتلة بصرية تحتاج إلى تفكيك جزئي لترجمتها فعليا وإبرازها كعوالم تتصارع فيما بينها وتشكل المساحة اللونية فيها رمزا لإنسانية تصمت فيها الحركة أو تسكن في أجزائها الفراغات مجتمعة، وبأسلوب فوضوي يثير جدلية ملحمية لا تنتهي وتهيمن على زمكانية اللوحة وغموضها.
يتجلى صراع اللألوان المهيمنة على المتناقضات الفنية المخفية إيحائياً بموضوعية تعتمد على ذاتية الأشكال المضمرة التي ترتبط بالأنساق التخيلية، والبنية الغارقة بالتعبيرات المختلفة والرؤية المتناقضة حسياً مع الوجود وصراعاته الحافلة بتحديات الأنا وقوتها ، كخط يرسم بمساراته المشاعر النضالية والتحدي الذي يخوضه نفسيا ًعبر لوحة يخفي فيها التناغم والانسجام والتمرد الخاضع للنفي والإضمار، كي تتجلى العناصر الفنية بسوداوية مزاجية تنبع من صراعات المجتمعات والتطور الفاعل في تثبيت عبثية الحياة كألوان يجمعها يحاورها يتضاد معها، ويمنحها ذاتيته الفنية بأسلوب إيقاعي يكشف عن حس فلسفي شاعري وعن محاكاة تصادمية بين الخط واللون، والنسق التخاطبية ذات الأضداد البصرية أيضاً.
لوحات تتذبذب فيها الدلالات البصرية عبر وجوه فنية مختلفة تتخذ من الأضداد والتناغم ضدين يناوئ بهما الفنان " أحمد نفوري" الصورة التشكيلية في اللوحة، للالتفاف وظيفياً مع الصيغة الفنية التي تؤدي إلى خلق جمالية تصادمية تحليلية عبر الألوان والحركة التي تضج بخصوصية ترتبك فيها الانطباعات بين رتابة وتحفيز، ليبرز العلاقة الحميمية بينه وبين الريشة واللون، وبتميز حسّي يوحي بقوة الرؤية الناتجة عن صراعات العناصر الفنية على مساحة لوحة تتشابك فيها العلاقات الضدية، بما يتوافق مع الصفة الإنسانية والعوالم التي تسهم بعبثيتها في خلق المشاعر المختلفة ومفاهيم الضوء والعتمة، والخير والشر، والظل والوجود، والإيحاءات والأنا، والخطوط ضمن كتلة اللون المشدود وفضاءات يحرص على منحها الأبعاد التي ترتكز على التكرار والتضاد المبني على خاصية الحياة والجمال الذي يعصف بحركة الأشكال والأحجام والارتباط بالقيم والمعايير المجتمعية ، والتحرر منها أحيانا ضمن لوحة تمثل المجتمع بسلبياته وإيجابياته، لتحقيق السطوة الوجودية الفاعلة في سطوتها والانفلات من القيود وحدود الأمكنة والأزمنة التي تعيد نفسها محاولا بذلك الفنان " أحمد نفوري" مزج الزهد والتأمل بالنفور والتشاؤم ليوازن بموضوعية بين الفن والحياة.
dohamol@hotmail.com