أفكار تشكيلية يترتب عليها حفظ الحضارة البعلبكية....

ضحى عبدالرؤوف المل

تختلط مفاهيم الألوان في أعمال الفنانة "خولة الطفيلي" ( khawla tofayli) لترسم معالم بعلبك والطبيعة اللبنانية المرتبطة بأهمية المكان، لتكون قادرة على جذب المتلقي نحو بؤرة نظرتها الأثرية، وبإمتاع بصري يهدف إلى معرفة ترتبط بالماضي والحاضر ،والأبعاد الزمنية الإيحائية باصفرار تغيب فيه وجوه، وتظهر من خلال تدرجاته الشفافة وجوها أخرى . إلا أن النواحي التي تهتم بها "خولة الطفيلي" هي فراغات ضوئية تبني منها الأسس اللونية للوحة . لتحبك رسوماتها بتجريد لا يخلو من انطباعات واقعية ذات تصويرات تخيلية تضفي ببانوراميتها لمسة فنية تنطوي على إحساس غامض وأفكار تشكيلية يترتب عليها حفظ الحضارة البعلبكية وتراثها الصامت الذي يرتقي بالحركة المتفاوتة بين السكون ومتناقضات الألوان الحارة والباردة. لتخليد التأثيرات المنبعثة من هذه الأمكنة والإحساس بعمق حضارتها وجماليتها المؤثرة في الذاكرة والطبيعة.

تترسخ في أعماق اللون القيمة الفنية الناتجة عن توازن البعد المخفي والبعد الظاهري مع الحفاظ على انكسارات الأشكال، وعشوائيتها التي تلائم المكان ومعانيه الطبيعية الدالة على مناظر منتقاة تتجاوز بها المفاهيم المغايرة للآثار وكمونها التاريخي، لتستقر داخل الذاكرة الفنية للوحة وتحتفظ بصفات جمالية فاعلة في بنائيتها، وفي النماذج التشكيلية المتميزة بتفاعلاتها الإيجابية التي تتسم بصفات تصلح للإنسان المعاصر الساعي إلى رؤية التراث والعودة إلى الماضي ، وإن ضمن الخواص التشكيلية المساعدة في إثراء المكان بمشاعر حسّية جمالية ذات تأثيرات حضارية واسعة فنيا.

مزج بين ثقافتين فنية وبصرية من خلال ربط الحضارة وجمالها بالريشة واللون، والمحاور المتنوعة الاتجاهات لاستعادة القيم المكانية التي ترفع من قيمة الوجود الإنساني وأثره الذي يعزز من خلاله تمسكه بتاريخه الذي ينسجه لونياً، ويتركه في لوحة تحاكي الحس الإنساني عبر لغة فكرية تتحرر بوعي، وبموضوعية مع اللون الأبيض ومساحاته المتلاشية والمتداخلة. لتكون كمصطلحات فنية تتركها الفنانة " خولة الطفيلي" للتفكير بالانعكاسات الزمنية التي تعيد بمخيلتها بناء أمكنة تنتج رؤية إنسانية تمزج بين الماضي والحاضر والمستقبل، والألوان بمدلولاتها البصرية تجعلنا نقرأ الأدوار الأساسية للشكل واللون والخطوط التعبيرية الواضحة في فلسفتها الجمالية .

ترصد الفنانة "خولة الطفيلي" برؤيتها التحليلية التي تعزز من خلالها رؤيتها الفنية المرتبطة بالمكان وأهميته، والإضافات الانطباعية المتوائمة مع الخطوط، والظل، والشكل، والأنماط المجازية لتاريخ الفن وتاريخ أنواعه الفنية عبر منظومة العهود المتمثلة بعواميد بعلبك، وأحجارها التي نستشف منها الوجوه الموحية بالحاضر والماضي، وباللون الأصفر الطاغي بروحانيته على الأبيض من خلال صراعات اللون، وتضاده أو حرارته وبرودته ضمن معطيات الحس الفني وجمالية الرؤية الابتكارية السابحة بتأملات داخلية توحي بأشكال وهمية تكشف عن ثراء الألوان الداكنة وخصوبة الألوان الفاتحة، والتفاوت بينهما وسط ملامح تمزجها بثلاثية هي الإنسان والمكان والزمان. إذ تمثل الخطوط الاتجاهات الفكرية التي تحاور بها اللون، وتتركه يتحرر مع انطلاقة كل لون تمنحه مساحات واسعة في لوحاتها المنصهرة بصرياً مع الأحجام والأشكال ورموزها أو معانيها الأثرية أو التاريخية.

تترجم الألوان في لوحات الفنانة " خولة الطفيلي " الانطباعات والتأثيرات الحسية التي يشعر بها المتلقي، ويستقرأها بحدس وجداني يعالج به البيئة المرسومة بشفافية وإحساس مرهف، مصقل بوجدانيات المكان المتعلقة به الطفيلي، وبتغاير فني ذي فوارق لا حواجز تخيلية فيها. لتنفي عبق الزمن عن المكان الذي ترسمه بنفحة لها مضمونها وصيغتها التعبيرية، المشحونة بتفاصيل تشكيلية لها خاصيتها ذات النزعة المعمارية والإنسانية وبازدواجية ترتكز على قضايا اللون وماهية الطبيعة في تشكلات الضوء والانعكاسات الأخرى التي تحرص الطفيلي على إظهارها بحس جمالي ساكن في حركته الصامته المتغلغلة بين الخطوط والأشكال الأخرى.

dohamol67@gmail.com

Doha El Mol