طواعية مادة الحديد في ترجمة الشكل

ضحى عبدالرؤوف المل

تطاوع خامة الحديد الفنان "بولس ريشا" ( Boulos Richa) بجمال وظيفي ذي زخرفة لها ليونتها، ليبرز فن تشكيل الحديد بتقنيات كلاسيكية وتحويلها إلى رؤية مغايرة حرفياً في أعمال تميزت بسمات فراغية لها تأويلاتها وتحليلاتها. إن من حيث صياغة القطعة الفنية أو تركيبها وتأليفها، لتكون كأداة زخرفية لها معانيها التجميلية القادرة على خلق محاكاة تتوازى مع الفن النحتي وتتناقض معه، لتتكون الخطوط الحديدية من مجموعة اشكال تفنن بها، وجعلها ضمن الأشياء الموجودة من حولنا . إذ يعتمد على التخطيط والتصميم وتسخير الخامة في تحقيق رؤيته التي يتحدى بها صلابة المادة مع فروقات في السماكة والفراغات، والكتلة المتروكة، لتكون أشد قوة من طرقاته التي تذلل الحركة، وتتركها سلسلة كنغمة الطرق التي يستخدمها على قطعة الحديد الحامية ، قبل أن تبرد حيث تدخل الحواس في عمق معاني أعماله، وتمثل إيقاعاتها النظم الحسية المطروقة على سطوح يؤلفها بديناميكة وخبرة في تطويع لمادة هي أساس تشكيلاته الحديدية.

يصوغ الفنان" بولس ريشا " أعماله فيقترب من النصب التذكارية القادرة على فهم فن تشكيل الحديد وقدرته على نحت الفراغات بوسائل تتوافق مع الأساليب الأخرى وتتناقض معها، كالنحت الخشبي أو الحجري وغيره من المعادن بهندسة خارجية وتصميمات داخلية مبنية على السيمترية والتماثل، وإن بسذاجة أو عفوية يستمد منها خبرته في مؤلفات هي كقطع موسيقية لها زخرفاتها وأدواتها في معالجات ترتبط بالشكل والمضمون، والمعنى والأسلوب يصقلها بشكل خارجي مؤلف من عدة معاني في وجه واحد له تأثيراته على الخطوط المتحركة والثابتة في كل عمل تختلف التشكيلات الجمالية .

مستويات فنية وأنغام حديدية صلبة ذات ليونة تتماشى مع الشكل، فما بين الفراغات والحركة دوائر وأنصاف دوائر، وسلاسل معلقة مع منحنيات تمنح أعماله تقنية ذات قيمة تعبيرية لها معانيها المجردة من خاصية التجريد الهندسي والرمزي التي يتركها ضمن هندسة الحديد الخاصة المحددة بخطوط متباعدة ومتقاربة، إن بنسبة يتركها بصرياً للحس ومتغيرات الحرارة والبرودة، والجمود، والسكون، والليونة ضمن درجات ومعايير تتجانس فيها التحولات التي يهدف إليها، لتكون كمعادلة يبرهن من خلالها على طواعية مادة الحديد في ترجمة الشكل وفيزيائيته في التقلص، والتمدد، والملمس، وانسيابه أو تعرجاته التي تقود البصر إلى المعنى، وإلى قدرة الفنان في خلق الأشكال المتعددة ضمن عمل فني يحمل رؤية نحتية، تختلف أساليبها بين الإزميل والمطرقة أو بين الحرارة والبرودة ، وحتى في وجودها بين المؤلفات النحتية الأخرى والتشكيل المرتبط بزخرفة هي حاجة جمالية لمادة حيوية وجامدة. وتحويل كل ما هو من مخلفات مادة الحديد إلى قطعة فنية لها وجودها الفيزيولوجي وطابعها التراثي أو الرمزي أو حنى المعنوي التعبيري وببساطه يصعب الكلام عنها حقا.

تتبلور العناصر الفنية في أعمال" بولس ريشة" فيجعلها ثيمة يحاكي بها بصرياً الآخرون تاركا الحكم الفني في موازين أعماله وجمالياتها . الكامنة في المعنى، والشكل، والفراغ والطول، والعرض والشكل الرياضي ذي التناغم المشترك،، والتضاد لتقاوم مؤلفاته الحديدية أو أشكاله المتساوية مع فنية الحس المشترك الداخلي وبينه وبين المادة التي تقاوم العوامل الخارجية بتشابكات فراغية تخفف من حدة الكتلة، وتخفف من وزنها المصقول بحنكة يد خبيرة وحس فني قادر على التحدي وعلى مخاطبة كل خط بما هو مناسب مع سلبية وإيجابية الخامة وصعوبتها في ترجمة فن تشكيل الحديد وزخرفته أو تصميم الشكل عبر مادة جامدة روضها. لتكون نوتة موسيقية مصقولة حسياً بشتى الوسائل الفنية.

Doha El Mol

dohamol67@gmail.com