تحديات تشكيلية قوية المعنى

ضحى عبدالرؤوف المل

يحاول الفنان "جاد الخوري" ( Jad El KHOURY) تعميق الشعور بالوجود من باب خلق تحديات تشكيلية قوية المعنى. إذ لا يمكن اعتماد تخريب قطعة ما وإعادة بنائها من جديد، ومن ثم جعلها تنطق بالجمال، فالحروب ودمارها هي رؤية تعكس تحديات الإرادة الإنسانية في إعادة بناء الحضارات أو بناء الإنسان أيضا من خلال إبراز وجوده بمميزات اكتفى منها الفنان "جاد الخوري" بتكرار الإيقاعات التكوينية المكثفة والمؤثره في تفردها المحاكي لطفولية يبحث عنها في عمق رؤية فنية بسيطة الأداء ومتشابكة الخطوط، وضمن معنيين مختلفين يواظب على دمجهما في لوحة هي عنوان الحرب والسلام ،وما بينهما من فروقات بنائية قادرة على إعادة البناء وتطوير الذات، فهل يتحدى جاد عبثية العدم بوجود جمالي متعدد الوجوه والمخارج؟

تتكون الوجوه المتشابكة في لوحات الفنان "جاد الخوري" من نسيج ذي جزئيات تحاكي الأنا العليا، القادرة على بث الإحساس بالتحدي، وبنسق جمالية تركيبية ذات تعبيرات ضمنية يخيطها بالقلم والحبر، والألوان والوسائل الفنية الأخرى التي يعتمد عليها. ليضفي ميزة خاصة على أعماله وعلى الطاقة الإبداعية التي يمتلكها الإنسان مفككاً وحدات الخط، ومتوحداً مع الشكل الصوري الغرائبي الذي يجمع به الأسلوب والمضمون ضمن مساحات مفتوحة لا تنتهي أو مفتوحة الحدود بحيث تصبح تشكيلاً صورياً لا نهاية له، وبنسق إيقاعية تمتزج فيها الذاتية بالموضوعية ضمن الأنا العليا، وطاقاتها الإبداعية الخاصة والساذجة، والمتقنة فنياً من حيث الصياغة والإيقاع البصري المحسوس والملموس، وبتخيلات تحتوي على أفكار ومعانٍ محببة إلى كافة الأعمار والشرائح . لأنها تحفز الخيال وتساعد على خلق تشكيلات إيحائية شتى تحتاج إلى دقة ملاحظة عند المتلقي لاستكشاف اللغة الجمالية التي يبثها "جاد الخوري "في أعماله الفنية.

تنطوي الأشكال على تشابه يثير التساؤلات. إذ تبدو بتماثل وتشابه وتكرار يعيد إلى الذاكرة لعبة الخطوط التي لا تنتهي، والقادرة على بناء تراكيب تصورية مختلفة، بمعزل عن الإحساس بالخراب الذي لحق قطعة الحرب المتمثلة بلوحة ترتبط بالحياة، والوجود وعبثية الإنسان وتذبذبه بين الفرد والجماعة والترابط الاجتماعي أو التنوع الإنساني، وتوحده في الحرب والسلم .إذ يصعب فصل الخط عن الآخر، وبالوقت نفسه الخطوط بحد ذاتها منفصلة رغم انصهارها في مساحة معينة يحددها لتكتسي بعداً آخر، ورؤى جمالية مزدانة بإرهاصات تظهر بوادرها عند النظر إلى أعماله المحاكية لفكرة الجمال وفلسفة الحياة.

زخرفة حبر تتداخل مع بعضها البعض أو خطوط متعرجة ومستقيمة . بل ومتقطعة أحيانا في فضاءات تخيلية تتسع لحضارات تلتقي وتنفصل عبر خريطة جغرافية تشبه الأمكنة المتشابهة بحروبها وماضيها، وبعصرنة باتت مفتوحة الاتجاهات والافكار، فلا مسافات فاصلة. إنما هي الصراع الفكري والاختلاف بين الإنسان ومفاهيمه أو يقيناته التي تشبه رسوماته المنظمة والعشوائية، وكأنه يواظب على خلق التضاد، وبمتناقضات حسية مفتوحة الإيحاءات، وبتحليل فكري لا شعوري يعي قيمة الوحدات الفنية وإيقاعاتها الموسيقية الداخلية ، والشكل اللامرئي الموجود في حال أمعن المتلقي النظر، وحاول اكتشاف الباطن لا الداخل وبمحاكاة حركية تتناسب وروعة تقسيمات الخطوط وبنائها المتماسك بصرياً.

أحاسيس فنية داخلية لا شعورية تنصاع للحبر وانفعالاته، لتصميم لوحة من خطوط تتميز بعلاقات مجردة من الملامح الواقعية، لتكون كجزء من لغة تشكيلية استعارية يلجأ إليها "جاد الخوري"بتكوينات توحي بالواقع وقوته، وتحدياته في مواجهة البقاء والتكاثر لاجتذاب البصر من خلال البساطة والتعقيد والتتكوين المرتبط بمعاني رمزية لتكرار يمثل الوحدة الأساسية في البناء الفني، مما يوحي بالانسيابية في الحركة الداخلية والخارجية مع مراعاة نسب التكوين وتاثيراتها على الحس الوجداني عند المتلقي.

dohamol67@gmail.com

Doha El Mol