الفن الهندي المعاصر

ضحى عبدالرؤوف المل

لوحات تتغنى بفن هندي معاصر تحاكي الزمن عبر أسلوب فني يجمع أنواع الفنون في أعمال لفنانين تتميز أعمالهم بالعبق الهندي، وعمق الحضارات الإنسانية التي تعاقبت على شعب تمسك بالزي الفلكلوري، وبالأصالة التراثية حتى عبر الفن التشكيلي والتصويري والمفاهيمي، وما إلى ذلك. فالتنوع في هذا المعرض تتوحد فيه الأصالة الفنية مع الثقافية، وجوهر الوجود الإنساني بشتى التصويرات والتعبيرات والمفاهيم التي ارتكزت عليها اللوحات من صراعات الأشكال والأحجام إلى تآخي الخطوط والألوان، وحتى الفراغات والامتلاءات، ولغة اللون القوية، والتوهج والخفوت بين المعنى والأسلوب والمضمون والشكل والتنافر والانسجام، ضمن المعايير البصرية التي اعتمد عليها كل فنان، لتحاكي الشعوب الأخرى ببساطة فنية وثقافة حضارية تحمل في طياتها حكاية الشعوب. إن من حيث الألوان والزخارف أو العادات والتقاليد أو حتى العقائد والأديان والرموز الغارقة بتراث بلد عبر جسر الثقافات من الهند إلى دبي ولبنان.

يقول عكاشة: "إن الفن الهندي موضوع متشعب تصعب الإحاطة به كاملاً، بل يكاد يستحيل الإلمام بكل آثاره، فبلاد الهند على اتساعها موشّاة بل مرصعة بما لا يُحصى من الآثار والأطلال." لا يمكن حصر الأعمال الفنية في مركز بيروت للمعارض بزيارة واحدة. إذ يشكل المعرض جسراً يمتد من الماضي إلى الحاضر، ومن الكلاسيكية إلى الفن المعاصر، والدمج مع الأساليب الأخرى التي تتمرد فنياً من أعماقها على الكلاسيكية. إلا أنها تحمل ميزة فنية هندية ذات رموز وخاصية زخرفية تتمثل بقوة اللون، وقوة التوهج البصري المتناقض مع العناصر الفنية المتغلغلة في مساحة كل لوحة تركها فنانها ضمن حوارات بصرية مفتوحة ذات ثقافة فنية خاصة قادرة على تخطي الغموض والغوص إلى أعماقها لفهمها رغم غرابتها في بعض الأحيان.

أعمال فنية تحمل في طياتها الأسلوب السهل الممتنع المقروء بصرياً ضمن الرموز الهندية وخاصيتها في إبراز العادات والتقاليد وغيرها، بتكوين بصري فني محاكي للشعوب، ويستطيع بث ثقافته الفنية بفن يضع الفن الهندي بين هلالين. ليثير تساؤلات تعصف بالمتلقي، فما بين الخرافة والحقيقة نجد التعبير والتصوير والواقعية، وما إلى ذلك من الفنون القادرة على خلق حوارات نتوقف عندها، لنستشف منها جمالية الشعب الهندي ومضامينه الحياتية التي تعيد للزمن رونقه وللشعب جغرافيته، وحتى أيقونته الخالدة المليئة بالرمز والمعالم وحتى تلك المقدسة منها.

ديناميكية وحركة في سينوغرافيا العرض لتكون الأعمال متناغمة تدريجياً مع بداية المعرض، ومساحة الأعمال المعروضة حيث يشعر المتلقي بتنوعات الأعمال والاكتظاظ بين اللوحات ذات المساحات الضيقة، وتلك المفتوحة على الأبعاد والفراغات والتعابير الحركية، وبأسلوب عرض معاصر يتواءم مع اللوحات والأعمال الأخرى، وما تحمله من جمالية تضعنا وجهاً لوجه أمام الفن الهندي الذي يوحي بالكثير من التراث، والقدرة على تخطي زخم الألوان، وإدراج المعنى ضمن الألوان الهادئة والصارخة، والبصريات القادرة على خلق فيزيائية ضوئية تتنوع فيها التخيلات والرؤى الغارقة في بعض منها بالأساطير والحكاية الشعبية المعروفة أو بالتقاليد الهندية وخاصيتها الزمنية والجغرافية، والتاريخية وما بين ما هو مرسوم وما هو محبوك ومشغول ومصنوع يستمتع الزائر. لهذا المعرض بالأسلوب الهندي المعاصر ورواه الفنية ذات الجمال الخاص.

يستمر الفن الهندي المعاصر في التطور من خلال استيعاب مجموعة متنوعة من التأثيرات الثقافية والفنية. هذا التنوع لا يقتصر على التأثيرات الغربية فحسب، بل يمتد أيضًا إلى الأساليب الفنية الإقليمية والمحلية التي تشكل جزءًا لا يتجزأ من الفنون الهندية. الفنانين المعاصرين في الهند يتعاملون مع التراث الثقافي بأسلوب مرن، يمزج بين القديم والجديد بطريقة مبتكرة. إن هذا التفاعل بين الأساليب التقليدية والفنية الحديثة يعكس قدرة الفنانين على تقديم أعمال تعبر عن الحاضر بينما تحافظ على صلة قوية بالماضي.

تلعب الرمزية دورًا محوريًا في الفن الهندي المعاصر، حيث يُستخدم الرموز لربط المشاهدين بالتقاليد الثقافية العميقة والقصص التاريخية. الرموز المستخدمة في اللوحات يمكن أن تعبر عن ممارسات دينية، أساطير، أو مفاهيم فلسفية. الفنانين يسعون إلى تقديم رؤى جديدة لأهمية هذه الرموز، مما يتيح للمتلقي فرصة للتفكير والتأمل في معانيها العميقة.

علاوة على ذلك، تتميز الأعمال الفنية المعاصرة باستخدام عناصر ثقافية تقليدية مثل الزخارف الهندية، التي تُستخدم بشكل مبتكر لتحديث الأساليب التقليدية. على سبيل المثال، يمكن رؤية استخدام تقنيات التطريز القديمة والأنماط الهندية التقليدية في اللوحات الحديثة، مما يخلق تزاوجًا مثيرًا بين التقنية التقليدية والتعبير الفني المعاصر.

واحدة من أبرز التطورات في الفن الهندي المعاصر هي دمج التكنولوجيا في عملية الإبداع. يستخدم الفنانون التقنيات الرقمية والأدوات التكنولوجية لابتكار أعمال فنية تعبر عن الواقع المعاصر بطرق جديدة. هذه الأساليب التكنولوجية ليست فقط أدوات لتحسين العمل الفني، بل تُعتبر أيضًا وسيلة للتعبير عن الفضاءات الرقمية الجديدة والتجارب المعاصرة التي تعكس التغيرات في المجتمع الهندي.

الفن الهندي المعاصر لا يقتصر على الجماليات الفنية فقط، بل يتطرق أيضًا إلى القضايا الاجتماعية والسياسية. تعكس الأعمال الفنية المعاصرة قضايا مثل التغير الاجتماعي، حقوق الإنسان، والعدالة الاجتماعية. من خلال استخدام الفن كوسيلة للتعبير عن القضايا الاجتماعية، يساهم الفنانون في إشعال النقاشات وتوجيه الأنظار إلى التحديات التي يواجهها المجتمع الهندي.

تتجاوز تأثيرات الفن الهندي المعاصر حدود الهند لتصل إلى الساحة العالمية. تتلقى المعارض الفنية التي تُعرض في أماكن مثل دبي ولبنان استقبالًا حارًا، مما يعكس الاهتمام العالمي بالفن الهندي. هذا التبادل الثقافي يعزز من فهم وتقدير الفن الهندي على مستوى عالمي، ويوفر منصة للفنانين لعرض أعمالهم وتعزيز الحوار الثقافي بين الشعوب.

الفن الهندي المعاصر هو تجسيد لدمج الأصالة مع التجريب، مستفيدًا من التراث الثقافي العريق بينما يستكشف آفاقًا جديدة في التعبير الفني. من خلال استخدام الألوان الزاهية، والرموز التقليدية، والتقنيات الحديثة، يعرض الفنانون رؤية متجددة تعكس التنوع والتطور المستمر في الثقافة الهندية. تستمر هذه الأعمال في إثارة التساؤلات وتعميق الفهم للثقافة الهندية، مما يجعل الفن الهندي المعاصر تجربة غنية ومؤثرة على الصعيدين المحلي والعالمي.

dohamol67@gmail.com

Doha El Mol

من كتابي توازن بصري