الفنان التشكيلي حسان الصمد لـ «اللواء»: معرضي قصيدة رثاء للطيور والطبيعة في لبنان

حاورته: ضحى عبد الرؤوف المل

يحمل الفنان «حسان الصمد» هموم البيئة في كل معرض يُقام، وهذه المرة وضعنا أمام سجادة بيئية قوامها أكثر من تسعين لوحة للكثير من أنواع الطيور التي انقرضت أو ما زالت موجودة، وبأسلوب تصويري انتقادي يهدف إلى خلق مصطلحات بيئية تهدف إلى وقف الصيد أو احترام الصيد إن صحّ القول للحفاظ على البيئة. فالطيور في لوحاته تجسّد الأزمة البيئية التي ترتكز على أهمية وجود هذه الأنواع من العصافير التي رسمها كعلامات استفهام بيئية. ومعه أجريت هذا الحوار:

- تهتم تشكيليًا بالبيئة، ألا يجعلك هذا أحاديًا فنيًا أو ضمن دائرة البيئة فقط؟

هذا شيء غير متعمّد. الدخول في هذا اللون أو إطار البيئة بدأ من خلال تجربتي الخاصة وما يعنيني أو عالمي المحيط بي من خلال مشاهداتي ومعايشة الأشياء من تعبيرات دراماتيكية تحدث. فأنا كفنان معنيّ أن أدلّ أو أكشف الحقائق، إن كانت تُشاهد أو لا بمعنى إن كانت ملموسة أو غير ملموسة على أرض الواقع. برأيي يجب أن يكون لي مساهمة فيها. صدفةً هذه المرة بيئيًا ومن الممكن جمالياً. ربما تعتبر نوعًا من القبح لأني أرسم سلبيات هذه المشاهدات. لا يهمني إذا اعتبر البعض أنني سوداوي أو قاتم أو كئيب. هذه المجاهدة الخاصة بي أو قوة تعبيرية أستخرجها بالرسم حتى وإن انتقدت أنني لست فنانًا تجاريًا. طبعًا هذا يشرّفني ويسعدني أنني من خلال الإطار التشكيلي الجمالي أقدّم هذا.

- هذه المرة تغزو الطيور لوحاتك وبكل أنواعها، هل تنتقد الصيد أم ندرة الطيور؟

نعم، وليس فقط الطيور، بل الحيوانات بشكل عام. هي حيوانات لبنان. باعتباري صيادًا سابقًا، يمكن اعتبار هذا بيان اعتزالي للصيد، لأني تدريجياً بدأت أخفف من هذه الهواية النبيلة التي لم تعد نبيلة في هذا المكان الذي أنا فيه. وأفترض في معظم الأماكن في لبنان لم يعد من إمكانية للصيد لا جغرافيًا ولا اجتماعيًا أو بيئيًا بسبب عشوائية ممارسة هذه الهواية بنوع من العدائية تجاه البيئة، ولا أريد المساهمة بذلك.

- البيئة والفن التشكيلي، من ينقذ من؟ وهل من رسالة مختلفة يحتفظ بها حسان الصمد؟

من خلال خبرتي كصياد منذ طفولتي أعرف الأنواع والأصناف التي يجب أن نصطادها أو لا نصطادها، والتنوّع والغنى البيئي الموجود في لبنان. طبعًا لست خبيرًا بيئيًا، إنما أعرف كمية كبيرة منها. وحاولت تصويرها مقتولة واستعرضها بشكل سجادة بيئية، وأيضًا مختصرة حوالى تسعين لوحة، إضافة للحيوانات والطيور المقتولة مع إشارات سير بسيطة أو بدائية ببعض القرى في لبنان، أو إشارات ملكية أو إشارات بلدية ممنوع الصيد، وفيها إشارات لتعدّي الصياد بين هلالين. الصياد في لبنان، الذي أسمّيه قواص، الذي يصطاد أي نوع في أي مكان، ويمكن اعتبار هذا جزءًا من منظومة العنف الموجودة حولنا في هذا البلد، وهو ربما انعكاس اجتماعي أو نفسي ومحاولة «فش خلق»، إذ ما من متّسع لأي نوع من الترفيه، لهذا صوّرت نتيجة هذه الممارسات وليس الصياد بشيء من السردية وهو يمارس هذه الهواية. ربما أفعل ذلك في الأعمال القادمة. لهذا يمكن اعتبار المعرض بيان اعتزال أو قصيدة بصرية رثاء للطيور أو للطبيعة في لبنان أو هجاء لهؤلاء الصيادين، إلى ما هنالك من تعبير عن مشاهدات لهذه الحالة التي تتكرر كل سنة مع محاولات السلطة لوقف هذه التجاوزات. إذا الإنسان لم يتربَّ على معرفة ثقافة قيمة البيئة وقيمة العصفور منذ الصغر، يصعب ضبطها.

- في معرضك تبدو اللوحات كجدارية لموضوع واحد، أين الإنسان فيها؟ أم ترسم انتهاكات الإنسان للطبيعة؟

طبعًا، الفن في خدمة كل القضايا، خاصة البيئة ومن ضمنها البيئة التي هي موضوع الساعة إن في لبنان أو عالميًا. الفنان عليه التنبيه أو لفت النظر لأمور تحدث حولنا. البعض يعتبر أن الفن الملتزم لا يُطرب الجميع إنما هو كلام لا بد أن يُقال، وصرخة تعلو إن كنا نريد قراءة الموضوع قراءة مباشرة بيئية، وإنما تشكيليًا الموضوع ممكن أن يكون تأويلات وإسقاطات وإشارات إلى ما هنالك من قضايا سياسية أو اجتماعية أو ثقافية وغير ذلك.

dohamol67@gmail.com

يُبرز الحوار مع الفنان حسان الصمد الاهتمام العميق بالنقد البيئي من خلال الفن التشكيلي، مما يعكس استراتيجياته الفنية المميزة. المعرض، الذي يحتوي على أكثر من تسعين لوحة، يقدم رؤية جمالية فريدة للبيئة، ويُعبر عن صرخة فنية ضد التدهور البيئي من خلال تصوير الطيور والحيوانات. الصمد يستخدم الأسلوب التصويري الانتقادي لتسليط الضوء على الأزمات البيئية، مما يجعل لوحاته بمثابة "قصيدة رثاء" تعبر عن فقدان الأنواع الطبيعية والتحديات البيئية التي تواجهها. ىكما أن الأسلوب الفني الذي يتبعه الصمد يتميز بالواقعية المظلمة والتجريد العاطفي، حيث يسلط الضوء على السلبيات في البيئة بدلاً من تقديم جماليات مثالية. هذه الطريقة تثير التأمل وتعزز من فهم المشاهد لأهمية الحفاظ على البيئة. الصمد يبدو أنه يهدف إلى توجيه رسالة فنية قوية تعبر عن الأضرار البيئية وتعكس صرخات التحذير من هذه الأضرار.

من الناحية البيئية، يعكس المعرض انتقادات حادة تجاه الممارسات غير المستدامة مثل الصيد العشوائي. الصمد، من خلال خلفيته كصياد سابق، يبرز الفجوة بين ممارسات الصيد التقليدية ومخاطرها الحالية. اللوحات ليست مجرد تمثيل جمالي للطيور والحيوانات، بل هي تعبير عن الصراع بين الإنسان والبيئة، مما يعزز من الوعي حول الحاجة إلى الحفاظ على الأنواع الطبيعية.

يُظهِر الصمد كيف أن البيئة في لبنان تتعرض لضغوط كبيرة نتيجة الصيد غير المنظم، مما يجعل عمله وثيقة توثيقية مهمة. النقاط التي يطرحها حول الصيد وندرة الطيور تبرز إشكاليات بيئية واقعية، وتُشير إلى تأثيرات الممارسات البشرية على التنوع البيولوجي.

الصمد يقدم نفسه كفنان ملتزم، حيث يُعبر عن قلقه من تدهور البيئة من خلال عمله. يمكن اعتبار لوحاته تعبيرًا عن الصراع الداخلي بين جمالية الفن وواقع البيئة المدمرة. تتناول رسالته الفنية الإنسان كعنصر أساسي في هذه المشكلة، حيث لا يقتصر تأثيره على البيئة فقط بل يعكس أيضًا الممارسات الاجتماعية والثقافية غير المستدامة.

يعكس الصمد من خلال أعماله إدانة لممارسات الصيد العشوائي ويشدد على أهمية التثقيف البيئي. هو لا يقدم مجرد نقد، بل يخلق من خلال فنّه منبرًا للتوعية والتحفيز على التغيير. عبر استخدامه للفن كأداة للتغيير الاجتماعي والبيئي، يُسلط الضوء على أهمية الاعتراف بجماليات البيئة وتقديرها.

الانطباع الأول من الحوار ومعرض الصمد هو القوة التعبيرية العاطفية التي تُبرز قضايا البيئة من خلال الفن. الصمد لا يكتفي بعرض الواقع كما هو، بل يدمج بين الجماليات الفنية والتعبير العاطفي لخلق تأثير قوي على المشاهد. كل لوحة ليست مجرد عمل فني، بل هي بيان اجتماعي وبيئي. التحليل الانطباعي يعزز من أهمية الفن كوسيلة فعّالة للتعبير عن قضايا البيئة ودعوة للتغيير.

يقدم الحوار لمحة عميقة عن كيف يمكن للفن أن يكون وسيلة للتعبير عن القضايا البيئية وتوجيه الرسائل إلى الجمهور، مما يعكس قيمة الفن في تسليط الضوء على المشكلات البيئية وتقديم الحلول المحتملة من خلال الإبداع والتفكير النقدي.

dohamol67@gmail.com

Doha El Mol