المناخات الجمالية المرتبطة بالضوء
ضحى عبدالرؤوف المل
تفرض لوحات الفنان (Mazein Rifai) "مازن الرفاعي" رؤية متنوعة من خلال تعدد مفاهيمها التحليلية للضوء واللون، واتجاهات الخط وفق المعنى المواكب للأسلوب السهل الممتنع، وهذا ما يتطلب من الريشة رعاية المخزون البصري الذي يعتمد عليه الرفاعي في تشكيل لوحاته التي تنطلق من البيئة ذات المناخات الجمالية المرتبطة بالضوء، وإظهار اتساعاته وانسجاماته الفنية حيث انشغل بصرياً بأبعاد الأمكنة ومعايير الألوان، فاستدرك أهمية المسافات الفاصلة والمشتركة مع الخط واللون، وحُسنه في ترجمة الضوء وتفاعله مع المسافة وأهميتها في لوحات الفنان " مازن الرفاعي " مما ينعكس على جميع عناصر اللوحة، ويمنحها البساطة والجمال رغم تعقيد مكوناتها البصرية في العمق .
تقنية السهل الممتنع ومزج لطبقات اللون الواحد وفق تدرجات تتوافق مع انعكاسات الضوء، واستقطابه للاتجاهات المنصهرة بصفو مع إيقاعات الخط، وكأنه يمارس هواية المشي في الأمكنة التي يرسمها . إذ يتأثر البصر بالسرعة في الاتجاه نحو عمق اللوحة بعفوية وحركية، وبتموجات تستحق التأمل لاستكشاف الوعي في خلق التفاصيل التخيلية من واقع يمنحه ذاكرة خاصة ينسج من خلالها بيئة تشكيلية خاصة باللوحة، يتلاعب فيها بمعايير الضوء والظل ودرجات التعتيم والتفتيح ، ليثبت أهمية الأبعاد الضوئية في تراكيب اللوحة التشكيلية ، فهل نجح قي ذلك؟ أم ترك لعلامات الاستفهام المزيد من التساؤلات في الكثير من الأمكنة التي وضعها وفق عقلانية ذات إشارات غمرها بنماذج تشكيلية تبرز بأسلوب تتشابك فيه المقاييس مع هندسة الأمكنة البعيدة، والقريبة من بؤرة النظر وفق سرعة معينة.
تتكاثر الخطوط وتتكثف الحركة في لوحات تضم الأبنية كعشوائيات تتزين بشعبية تتناقض مع المساحات اللونية التي يمدها الفنان " مازن الرفاعي " في اللوحات الأخرى، وكأنه ينتقد التلوثات البصرية بين الأبنية وتكاثرها العشوائي، للانفلات نحو الطبيعة وبيئتها الاجتماعية برمزية السرد اللوني المفتوح على عدة تأويلات مارس فيها حنينه ، وانفعالاته لأمكنة طبيعية لم تمتد إليها يد الإنسان. بل ترك لريشته الحرية في خلق أمكنته المحفوفة بالجمال، وبشكل تفصيلي له معادلاته وخصائصه التي تختزن إشكاليات استبطنها تشكيلياً بتوظيف الألوان في معالجة ثيمات الضوء وجمالياته في لوحاته .
يسعى الفنان "مازن الرفاعي "إلى إظهار تقنيته التشكيلية في لوحات نسجها وفق معايير الضوء في فترات معينة، وتأثره باللون والفترة الزمنية التي يرسم فيها عبر الضوء، وكأنه يؤرخ لفن ينحاز إلى بيئة ضوئية تتقاطع من خلالها الأفكار والأساليب بتوزيع ضوئي لا تشتت فيه. بل يتركه بين الألياف اللونية يتناغم مع الخطوط والشطحات الفراغية ذات الإيقاعات النغمية والوعي الذهني في فتح المساحات، لخلق انطباعات تبعث على مزيد من التأمل حتى ليتساءل المتلقي ما المميز في هذه اللوحة المريحة للنفس والبصر؟. فهل يحاول "مازن الرفاعي " إيجاد تحديات بينه وبين اللوحة والمتلقي بأسلوب السهل الممتنع ؟
ينعم الضوء في لوحات الفنان « مازن الرفاعي» بالهدوء المشحون برغبة فنية باحثة عن الجمال الكامن في العمق الانطباعي حيث التعبيرات تتخذ أشكالها الواقعية، ومن ثم يتم تجريدها انطباعيا . لتتشكل الوحدات الفنية والألوان ضمن الأبعاد الهندسية والمنظور الداخلي المضيء بصرياً، وضمن ضربات ريشة تبحث عن الفضاءات الضوئية المفتوحة على خصائص طبيعية منسجمة مع الإحساس الفني، والمؤثرات اللونية التي تعتمد على الاستراحات الموسيقية ذات إيقاعات هادئة تتخذ خاصية فراغية شفافة من حيث توزيعاتها الدينامية القادرة على بث الجمال في نفس المتلقي.
يضاعف اللون الأبيض من قيمة التوازنات الصالحة للتعبير عن مفهوم ثنائي يجمع بين الداخل والخارج، والنقطة المشتركة بينهما، وهي الأبعاد الهندسية للمنظور الفني، والقدرة على استقطاب الضوء مع الحفاظ على تأثيرات الخطوط اللونية، والتحكم بمساراتها واتجاهاتها ودرجاتها، وإيقاعاتها المتناغمة مع كل الأشكال الموضوعية المتداخلة تجريدياً مع الانطباعات التعبيرية التي تتخذ منحى متحرراً من الحركة المنبثقة إيحائياً، وبعمق المنظور المسيطر على الرؤى التشكيلية المختلفة ذات التكوين المؤثر على الرؤية الانطباعية، وتقنية اللون المتلاحم إيجابياً مع درجات كل لون بارد وحار، متخطياً بذلك الأسلوب النمطي والفني التشكيلي وروتينية الفكرة المنبعثة من مفهوم الانطباعية التعبيرية. ليتجه بها نحو فضاءات أكثر اتساعاً، فالمخيلة تتخذ من الأشكال واتجاهاتها الاستنباطية الناتجة عن تنوع العمق في اللوحة الواحدة، والدمج في المفاهيم غير المرئية، ولكنها محسوسة ذهنياً، فهي تتراءى كبنى هندسية واقعية تمت تغطيتها بشفافية اللون، مما يتيح للفكرة أن تتشكل بذاتية ضوئية مع كل جزء يتصاعد تدريجيا نحو الكل. لندرك معنى الأجزاء في الصورة التشكيلية وقيمتها فنياً وجمالياً.
يتلمس الضوء في أعمال الفنان « مازن الرفاعي» المسارات اللونية، وتأثيراتها البصرية الهادئة موسيقيا، مما يعطي للتضاد توظيفات ذات محاكاة هندسية تعطي إيحاءات منظوريه للنظم اللونية التركيبية المتألقة بخصائصها الفنية من خط، وفراغ، ومساحة، ولون يتناسب مع المعطيات المضمونيه في كل لوحة اعتمدت على الاتزان الضوئي في الأشكال الفنية المنظورة بصرياً . لتتضح الحركة القوية للريشة من خلال انعكاسات اللون، وبرودته الهادئة فنياً التي تخدم الانطباعات الانفعالية وتغيراتها الواضحة في تحاور وتجاور الألوان السيمترية، والمتوازنة، والشفافة، وكأن لكل لون شكله الخاص.
لغة لون ضوئية منحها « مازن الرفاعي» تسطيحات لم تلغ الأبعاد ولم تستأثر بالمنظور الهندسي الذي حدد مساحاته تبعا للبصر، وللفضاءات الداخلية المتسعة بعناصرها المؤطرة بجزئيات ضوئية، وكأن كل جزء من بيت أو شجرة أو طريق هو بناء معماري مصقول برؤية فنية تشكيلية ذات صياغات تمتد، كمربع أو مستطيل أو مثلث أو زوايا يركن إليها الظل. لتتوحد الكتل في إيقاعات جمالية عالجها ضمن المساحات الهندسية التي أسسها في عمق اللوحة المستتر، والمتخذ من الإنشاءات اللونية لكل شكل صفة تعبيرية أو انطباعية أو حتى تجريدية، ولكنها في الحقيقة هي أبعاد هندسية عميقة الرؤية في طبيعة لوحة اتخذت وجودها من خلال الرؤية، والفروقات بين المفاهيم التي جمعها بطرق مختلفة. اعتمد فيها على الحركة، واللون، والضوء، والفضاءات المفتوحة تخيلياً.
إن العمق الفراغي في اللوحات الزيتية والمائية، برغم اختلاف المستويات، يتجلى ضمن الأحجام وتوزيعات الكتل داخل الأبيض الإيقاعي المنبسط مع التسطيحات التي تتخذ طابعاً صامتاً . يترجمه « مازن الرفاعي» بصرياً بامتلاءات تتميز ببعدين ذوي حرفية في التكوين المنظوري، لهما من حيث المساحة والقياسات نسبية تتفاعل معها الأنماط ذات المنحى الإيهامي، المنفصل عن العمق الهندسي للوحة تترابط فيها الإيقاعات، كتكرار يوحي بسرد تدريجي تتصاعد وتنخفض حدة موجاته تبعاً لبرودة اللون، واشتغالاته العاطفية المقترنة بعقلانية تساهم في رفع قيمة اللون الأبيض، وجعله كتلة بصرية ذات توجهات تخيلية، وواقعية تتناغم حسياً مع كل نفحة فراغية تجانست وانتظمت مع عشوائية الخطوط، وانعكاساتها المحورية على تكوينات يرتكز الضوء فيها على الحركة، والطبيعة المتخيلة من الواقع ذي التعبيرات التي تخلق بانوراما يؤكد من خلالها على تفاعل الجزء مع الكل، وبالعكس حيث يبدو الهدوء كركن تناغمي تتأثر به الانفعالات القوية داخل اللوحة.تزخر أعمال الفنان « مازن الرفاعي» بمنحى انطباعي تعبيري. تتباين فيه حركة الريشة التلقائية، بدراماتيكية شحنها بمفهوم هندسي متخيل موضوعياً بحيث تتراءى ذهنياً، كبصريات متباينة في أشكالها، وخطوطها، وأحجامها المنسوجة بدلالات ضوء دينامي يميل إلى السكون. لأن النسق التشكيلية ذات تكرار يعتمد على طول النغمة اللونية البسيطة، وعلى التوازن والتقاطع عند النغمة القصيرة ذات الخطوط اللونية المائلة والمنحنية، ومعادلاتها الموضوعية للخطوط اللينة والقاسية، والحادة عند الزوايا المغمورة بشفافية ضبابية من اللون الأبيض الذي يستريح عنده البصر، فتجاوزات الكتل والحدود هي تخطي مرئي استطاع من خلاله « مازن الرفاعي» إخفاء الهندسة التجريدية بالانطباعية التعبيرية بحيث لو شرحنا كل لوحة، لتعددت المفاهيم الفنية والجمالية فيها. لأن الأبعاد والمنظور هما الركن الأساسي في بناء اللوحة.
تم نشره في جريدة اللواء عام 2016
dohamol67@gmail.com
Doha El Mol