لونيات تحمل روح الفراشات الربيعية الراقصة مع الضوء
ضحى عبدالرؤوف المل
تبسط" ثريا عبيد" ألوانها وتمدها بشفافية ضوئية رقيقة الرؤية . لتبدو تصويراتها التجريدية شبحية الضوء. أو كأنها سابحة في مخيلة ترمز للواقع، وتتجرد من الخيال في تضاد مضموني متلازم مع الأسلوب الغارق في تناقضات تتوافق وتتنافر مع الألوان الحارة والباردة، فالعفوية البارزة في الخطوط اللونية السائلة والمتشظية عشوائياً ضمن جماليات اللون الذي يتعارض مع التصوير والتجريد والتعبير.إذ منحت الحس الفني استفزازات بصرية. لتبحث الحواس عن الذات التي وضعتها " ثريا عبيد" ضمن رمزية الأنا أو الفتاة الراقصة على إيقاع اللون . لتخلق نوعاً من تضاد يؤسلب لوحاتها العشوائية. بل ويجعلها ضمن لونيات تحمل روح الفراشات الربيعية الراقصة مع الضوء، والذي يتولد عنها إشراقات تعتمد على تفتيح اللون ، وعلى اتساع المساحات الضيقة المتماوجة بحسب طول الموجة اللونية وقصرها، فريشتها المشبعة بالألوان تبث الأمل في نفس الرائي بسبب الفرح المسيطر على لوحاتها بشكل عام .
مزج أسلوبي يختلف بمراحله بين التجريد الذي ينفي التصويرات الواقعية، والتعبير المندمج مع التجريدي والتصويري. مما يترك المتلقي في حيرة، فالرمز الجمالي هو عروس الباليه، ولكن لكل لون معنى وإشراقة في لوحات " ثريا عبيد " من حيث المضمون المنسجم مع الأسلوب وتقنية المزج اللوني الذي يعتمد على الشفافية والرومانسية الحالمة، لتبعث الأمل والمرح من خلال المفهوم الطفولي الساذج، والمزهر في لوحاتها الإيقاعية . مما يمنح الرائي قدرة على استنباط المفهوم الذي تسعى " ثريا عبيد" إلى إيصاله لكل من يرى لوحاتها الربيعية المملوءة بأنوثة لون مرئي له حركته الخاصة، وتفاعلاته الباردة مع الألوان الأخرى التي تتقبلها الأحاسيس بجمالية لها إرهاصاتها الخاصة ، وكأنها تفرّغ مخزونها النفسي على ذاتها من خلال لوحة أنثوية مفعمة باللون.
تخطو الفرشاة المشبعة بألوان خطاها الحسّية ، كراقصة باليه لها تنقلاتها الخفيفة والرشيقة . بل والملتزمة بروح الإيقاع. لتكتشف الأنا مع كل مشاكسات لون حار دفعت به نحو الشفافية والبرودة. لتنبض المساحات بمفاهيم جمالية اختزالية اعتمدت على مفهوم اللون وشفافيته. وقدرته على جذب البصر ومنح الحركة صفة بطيئة. لأن السكون الكامن في الأبيض والزهري المركب يوحي بانفصال الزمن عن الواقع الذي تهرب منه في لوحاتها. رغم التجريد التعبيري المرتبط بتصويرات ممزوجة بأشكال ذات مسطحات تفردها ضمن الأبعاد الثنائية ، والطبقات اللونية المتتالية على سطوح لوحات تحاول" ثريا عبيد إخفاء " عمقها العرائسي المتشكل ضمن فواصل فنية رقيقة، ومفردات فنية تشكيلية ذات رؤية عفوية، ونفحة أنثى تلاعب ألوانها الضوئية بفرشاة تدغدغ الخطوط، وتعزف على أشكالها. لأن الرسومات في كل لوحة تجريدية أو تعبيرية أو تصويرية تحمل من التجريد والتعبير مفاهيم الدمج التكنيكي المعاصر، ولكن بعفوية فن تشكيلي يحمل من روح الحداثة البساطة في الشكل.
مناظر ربيعية تضج بالتعبيرات الانفعالية . الأكثر اندفاعاً من الخط المحدد في بعض الرسومات التي تكشف عن لمسة واعية ذاتية ، وبمستويات فنية متعددة. لأن النماذج المتنافرة تتوافق مع الأنماط المتناغمة ، والمنسجمة مع الفضاءات التخيلية التي تؤلف مشاهد مسرحية راقصة تعبيرياً، وعاطفية بحركتها الرومانسية الشديدة الإيقاع ، والسيمترية في بعض منها، وأيضاً التكوين التشكيلي للأحجام التي منحتها توزيعات سينوغرافية، إيحائية ترتبط بموجة كل لون. والنسيج التعبيري المتشكل من اللون والنغمة والإيقاع الذي يبدو متأثرا بفكر الطبيعة ، وتناغمها مع الأنثى أو التحولات النفسية التي نتأثر بها بصرياً من خلال فعالية كل لون، وما ينتجه من ذبذبات داخلية وخارجية تؤثر على جمالية اللوحة الفنية .
يقول جورج سانتيانا :" إن حياة الخيال هي في تفكك الصورة العقلية ثم إعادة بنائها في صورة جديدة . وهذه عملية روحية عملية ميلاد وموت " قد لا تبدو الرسومات واضحة بصرياً . لأن العاطفة تتغلب على عقلانية الخط كما أن السرد اللوني قصير المدى . إلا أن ما يحمله اللون من توهج حسي يترك المتلقي في حالة فرح وانتشاء، وكأنه يتأمل مشهداً مسرحياً راقصاً، ويتفاعل معه وفق انعكاسات انطباعية تتركها كل لوحة لمست بها " ثريا عبيد" ذائقة المتلقي بشفافية حيوية، وبراءة طفولية لها مناظرها التجريدية الخاصة ، وكأنك في معرض ثريا تقف في حديقة ألوان تتباين فيها الأضواء . لتبدو طبقات الصورة مشوشة أحيانا من قوة الضوء المنبعث من اللون الأيض والزهري خاصة .
تتماشى الخطوط اللونية مع الاتجاهات الضوئية بطريقة مؤثرة، فبعض التعبيرات المبهمة تجعلنا نفتش في خلفيات لوحاتها عن نقطة البداية التي لا تشعر بها. إلا حين تحاول الكشف عن الإحاطات ذات الخاصية المنظورية المنظمة ضمن اضطرابات تمحوها التكوينات التي تفصح عن مسحات بيضاء. واستراحات موسيقية زودتها بتقطيعات وتجريدات تتشاطر معها الأبعاد ، وتتقاطع عندها درجات كل لون مدته على سطوح خضعت لعشوائية فرشاة مرنه تبحث عن الربيع والفراشات والفرح، في عمق النماذج التي رسمتها" ثريا عبيد " بانطباعات تأثيرية لها مضمونها وأسلوبها الخاص. إذ تستخدم لقطات تصويرية تتمتع بتفاصيل ريشة التقطت الارتدادات من داخل نفسها، لتوحي بفضاءات فنية حديثة تتمرد على المدارس وتلتزم بها في آن. فهل تحاكي من خلال الرسم اللاوعي لتفجير للطاقة الخلاقة؟
تعزز الفنانة" ثريا عبيد " الوعي الذاتي في رسوماتها التفاعلية مع الاعتماد على التحليل النفسي في الألوان وتعبيراتها المختزنة، المؤثرة على الانفعالات البصرية ، وتنشيط الذاكرة التعبيرية المشحونة بالعواطف الإنسانية وجمالياتها الرمزية، مما يعزز عند المتلقي قوة عقلية أو بالأحرى تفكّريه تتجه نحو بناء تخيلات تستخرجها النفس من اللوحة بثقة فنية تؤلف الانفعالات منها شتى المواضيع التي تنبع من اللون ، وتتلاشى بين الخطوط اللونية وليونتها أو تموجاتها التناغمية اللاواعية للشكل برمته . إذ تكمن الوظيفة الأيديولوجية في اللوحة إلى إظهار النشوة والفرح إلى أقصى حدود اللاوعي ، مختزلة الواقع بالمتخيل لتحريك المشاعر والأحاسيس للإقبال على الحياة.
تستخدم الفنانة" ثريا عبيد "علم الجمال في الفن، لثير علاجاتها نوعاً من القناعات المبنية على تخيل الواقع في لوحات تحاكي اللاوعي من خلال تفجير للطاقة الخلاقة أو الإبداعية المرتبطة بالعقل والعاطفة والأصابع ، المترجمة للأحاسيس بانضباط حسي وبتسامي وجداني يرتقي إبداعياً مع النفس المتأملة للحركة اللونية واتجاهاتها ذات الصياغة الموضوعية، لتكون مقروءة بصرياً بشتى الطرق من قبل المتلقي، فالفن والبصيرة والحركة ثلاثية قادرة على خلق مرونة في التعبير عن المخبوء الداخلي ، فتلعب الألوان دوراً مهما في إضفاء الحيوية على المريض أو حتى على الإنسان المعافى، وبانتعاش لكيفية إدراك الذات وتصحيح الخلل في الأجساد التي ترمز لها "ثريا عبيد" بالخطوط العريضة والوجه المجهول الملامح، لاستخراج الأوجاع الداخلية والخارجية واستبدالها بقوة طاقة اللون، وتاثير الخطوط العريضة بصرياً على النفس والجسد.
تبحث الفنانة "ثريا عبيد" من خلال العلاج بالفن عن شفاء بصري له فعاليته في تحسين حالة الفرد، وتهدئة فنية للمشكلات الانفعالية بالسيطرة عليها والتأقلم مع مستويات الأداء المختلفة، المتوازنة مع الألوان وإعادة التوازن النفسي ودوره في تأهيل النفس للخروج من متاعبها النفسية والجسدية، وتكييف الواقع بالابتعاد عنه بخلق تخيلات رمزية وتعبيرية تنمي الأفكار، وتزيد من الشعور بالرضى والصفاء الحيوي للإقبال على الحياة برومانسية عالية واعية لوظائفها ، ولتحديد مسارها الجديد أو القبول بالأحاسيس الناتجة عن الفرح بمحو اليأس والإقبال على ألوان الحياة بكافة تناقضاتها، وباستنطاق بصري له مميزاته اللونية والتعبيرية المحاكية للجمال، فهل استطاعت "ثريا عبيد" تأهيل اللوحة لتمثل شتى العلاجات بالفن التشكيلي؟
مقدرة على التعبير العفوي والاستبطاني، لإشباع النواحي العلاجية البصرية بالفن الذي يعيد الاندماج إلى الواقع بعد تخيلات لاشعورية تحتضن الوجع وتستخرج الأدران كحلول لمشكلات باطنية يؤثر اللون عليها ، ويدفعها نحو تصحيح ذاتي يهدف إلى العبور نحو الأحلام والذاكرة. لتتبلور في صورة بصرية لا صراعات فيها كنوع من إسقاطات فنية حرة في تهيؤاتها، مما يشحن النفس ويمنحها المزيد من الاطمئنان والثقة، لتكون قادرة على مواجهة الصعوبات كنوع من التنفيس عن الضغوطات والاعتماد على الطاقة اللونية في دعم المكبوتات للتخفيف من الألم أو الحزن الخ..
لوحات متنوعة ومتداخلة في أفكارها ، ومرنة في تقنية تنفيذها عبر خلق تكنيك خاص يميل إلى الإيهام أو الإيحاء، والتعبير بإبراز الغوامق والفواتح ، والتناقضات بتناغم حسي ونفسي، عبر تكوينات تهدف اكتشاف خبايا النفس بمحاكاتها دون تفكك أو تشويش بصري. بل بتلاحم اللاشعور للوصول إلى العقل الباطن ضمن رسومات معينة تساعد في خلق حلول حتى في حالات رومانسية عديدة وشاعرية تعكس حالات الإنسان، وقدرته على التأقلم بواقعه أو بيئته وباستراتيجية مهارات المزج اللوني والحركة بتشذيب التفاصيل وتركها مبهمة لتأخذ أشكالا مختلفة من اللاوعي تندمج مع الوعي، وبأنماط مغايرة ذات طابع سيكولوجي يهدف إلى العلاج بالفن وبشكل فنتازي شاعري يركن إلى الهدوء والانسيابية عبر إيقاعات رؤيوية وتخيلية توحي بالطمأنينة والإستقرار ومعطيات التقسيمات العفوية. لتكون كل لوحة مفتوحة الفضاءات، ليتخطى من خلالها المتلقي المجهول أو النفق النفسي.
dohamol67@gmail.com