الحس الفني المنسجم مع الاتجاهات التشكيلية
ضحى عبدالرؤوف المل
تحتفظ لوحات الفنان "مصطفى حيدر" بسرديات اللون، ونكهة فنية مأخوذة عن جمالية الحضارات التي تؤلفها ريشة تتميز بتعقيد واضح تنعطف معه الفراغات ببساطة تتشابك فيها الخطوط،، لتعميق الوعي المبني على الغموض المشبع بالحس الفني المنسجم مع الاتجاهات التشكيلية القابلة للتحليلات والتأويلات الشاملة العلاقات اللونية، وشفافيتها المهيمنة على موضوعية اللوحة ومعانيها الواسعة والضيقة، ليكشف عن تعبيرات داخلية لها مغزاها، وان تجاوزت الريشة المفاهيم القوية الناشئة عن صراعات الأشكال والألوان، بتنافر وتضاد يتجلى بتنوع كبير في الفراغات والضوء، وبتباين له نظمه الإيقاعية وسرده الدلالي برمزية الحروب، وخصوصياتها الفوضوية واللانهائية ضمن نسق الوحدات الفنية المحبوكة في صياغتها بجمالية استقرائية يحاكي من خلالها البصر بجزئية تبدو بمثابة رسالة تتجاوز المكان، لتكون مفتوحة زمنيا مع الفراغات والضوء.
يميز الفنان "مصطفى حيدر" العلاقات التماثلية باختزال مستويات اللون ودمج الأشكال التي يوزعها ، كمفردات لها منظورها وأبعادها التراتبية ضمن إطار تتقاطع فيه عدة أحداث إن جاز القول، أو بمعنى فني عدة مقاطع بصرية لها أهدافها ومحاورها، وبما يتوافق مع المحسوس الضوئي للإلمام بالوحدات الفنية الأخرى، ومعانيها المرتبطة بلحظة ما ترجمها تشكيلياً بمنطق البناء ووحداته المتجانسة ، والخاضعة لٌقضايا الصراع الإنساني ونتائجه، والتباسات النتائج وانفعالاتها المتعلقة بالرؤية الفنية المغايرة أسلوباً ومضموناً ، كما لو أنه يبحث عن ضمير الغائب بين فراغاته المحافظة على صرامة رغم العشوائية الظاهرة، والمسارات المسترسلة حسياً مع الأفكار واختلافاتها المألوفة بتكوينات لها مبرراتها لحفظ الحدث المحاكي للصراعات الإنسانية.
ترتكز التخيلات التشكيلية على واقع جمع من خلاله الحقائق، وقدمها بلغة الفن للنفاذ إلى عالم خاص ذي كيان شيده بأحاسيس حرفية تشير إلى البقاء وجوهر الوجود في ظل الصراعات الإنسانية والتأثر الحقيقي المباشر زمنيا ً، وكأنه يحتفظ بذاكرة انفعالية يستدعيها لتستجيب ريشته للنوازع الجمالية، لاستشفاف قساوة الحياة الناتجة عن كل صراع يترك أثره في النفس، مما يجعل من الألوان تائهة بين حرارة وبرودة، ومحاورة ومجاورة، والأشكال الملحمية لها رموزها الناتجة عن مسالك الحياة التي تترك بصمتها في الحركة اللونية برمتها . لترتسم الخطوط بتماسك يكشف عن مقدرة في الخيال الحسي المترجم لمشهد الحرب المختزن في الأحداث التي يترك لجانب الخيال ترجمتها. لتكون موثقة زمنياً عبر مشهد تخيلي تكوّن في لحظة صراع ابتكر حركتها وتضادها، ونغمتها المؤثرة على ابتداع المشهد التشكيلي والتزامات الخيال فيه، ضمن خلجات ضوئية تثير ذهن المتلقي وتتركه في حالة تأمل، وبانفعالات مختلفة تلتزم بمنطق الجمال حتى عبر تصوير لمحات المعاناة العابقة بالخلق الفني.
تكتسب لوحات الفنان "مصطفى حيدر" عمقاً درامياً ينعكس على رونق اللون المحصور بين الجمال والخيال، ومفهوم التذوق للنص البصري المتروك كتاريخ لأحداث لها أبعادها النفسية والتاريخية، وإحساساتها الغنية بحيوية التكوين الشكلي المتعلق بجزئيات الصراعات ، وتأثيرها على العمل الفني من أجل المحافظة على تحفيز الذهن، وتركه في حالة من التنوع الذي يختلط معه الوجدان، بما هو خارج عن المألوف والمتخيل بمظاهره الرؤيوية والعبث الوجودي للارتقاء بلغة الفن في سبيل إظهار مساوئ الصراعات الداخلية والخارجية والإرهاصات الفكرية المتغلغلة في ثنايا الألوان وتعبيراتها الملتزمة بحركة الخطوط وحالاتها الوجدانية في سبيل إدراك العالم الباطني للشكل واللون للتوصل إلى كل ما هو مخفي بين الفواصل ومعانيها الخاضعة لضرورات التشكيل الملتحم بالحدس والحس الجمالي، المتحرر من بوتقة النمطية لاستجلاء العوالم الواقعية والمتخيلة بنزعات ريشة مدموغة بالصراعات والأحداث الموجوعة..
اللوحة من مجموعة متحف فرحات
dohamol67@gmail.com
Doha El Mol