تركيبة تشكيلية تنبع من المحسوسات النسبية وطبيعتها المألوفة

ترتكز الأشكال في أعمال الفنانة "كارين بولنجيه" (Karine Boulanger )على الارتقاء التخيلي لالتقاط اتجاهات الضوء متحدية المستوى النسبي للألوان، وقدرات المساحة النسبية في إنشاء التكوين الذي تسعى من خلاله إعادة رؤية الطبيعة بأسلوبها ، إن في ترتيب التشويهات التي تحدث فجأة للغابات أو للأشجار تحديداً . وإن من خلال صقل الألوان مع الخطوط والمادة، والقدرة على معالجة الفكرة، لتحاكي بها الأبعاد المنبثقة عن التكوين ووظيفته الجمالية في تشكيل المعنى الفني وبرمزيته الجمالية، كوسيلة لتجديد عوالم الطبيعة بأسلوب ذي خصائص تتمتع بانسيابية. تحمل الكثير من معطيات حافلة بالموضوعات المتعلقة بالأساطير القديمة أو بجذوع الأشجار العائدة إلى الحياة بالظل أو بتحولات أخرى.

أبدعت "كارين بولنجيه" في منح الرمز الطبيعي لغة روحانية ذات جمالية في تحويلها بنية الأشجار إلى موضوع يحمل مصداقية فنية تمثلت بالحدس الضوئي، وجوهر إعادة الأشياء للحياة. لتشكل تجديداً في الوعي البصري، لاكتشاف قدرات الإنسان في خلق مجازي يعتمد على موسيقى الظل والفراغات ، لمحاكاة محسوسة الحقائق وجودياً ، تكشف عن إيحاءات تكتسب سمات شاعرية لها أنماطها التي تحتفي بالشكل واللون والضوء أو التوزيع عبر مساحة معينة أو انسياب فضاءات الضوء بين الخطوط أو الكتل ، فمكونات العمل الفني تختلف بمزاياها عن التقليدي وتتجه نحو المضمون الاستنكاري لأحداث الطبيعة المفاجأة أو جمالية كوارثها من منظور تلتمس من خلاله العين الحركة البصرية المناسبة ووظيفتها في اكتساب المعرفة الجمالية عبر كل ما حولنا .

تكتسح جذوع الأشجار أعمالها، إضافة إلى مكونات أخرى هي جزء من حضارات إنسانية منسية، كان لها الوجود الأكبر في ما مضى، لتصب تخيلاتها في تعبيرات حركية لها توازناتها البصرية، وبشكل مغاير مع الألوان المسبوكة بتناغم ذي معايير محددة ، ودلالات تعتمد على التناقض بين الشكل والشكل، وبين الظل والضوء . كما أيضاً تستمد من قيمة الفراغ عدة مستويات في كل عمل فني لضبط الأحاسيس الشاعرية المنبثقة من وجدانية الضوء ، ودوره الفني في الحياة مع إبراز أهمية استنباط الجمال من اللاوعي، ليكون ترجمة طبيعية للإنسان الذي يحاكي الطبيعة بأسلوبه الفني الخاص.

تركيبة تشكيلية تنبع من المحسوسات النسبية وطبيعتها المألوفة بصرياً، وإن عبر صياغة الشكل بحدس فطري ذي أسس ضوئية. لجمع الحضارة القديمة مع الجديدة، وتوظيف ذلك وفق الرؤى الفنية المختلفة، للكشف عن ما تجسده الغابات من أهمية للإنسان ، مما يقتضي بذل المزيد من التأملات لعمق المعنى في أعمال الفنانة" كارين بولنجيه "التي تتميز بطابع جمالي له تأثيراته الطبيعية، المفتوحة على حركة دينامية يتفاعل البصر معها . لتضاد الشكل واتجاهات الألوان، ومضمون جوهرها الذي يتسم بالمخزون الحيوي للجمال المعاكس ورموزه الفنية.

إن أعمال الفنانة كارين بولنجيه تمثل رحلة فنية فريدة في استكشاف علاقة الإنسان بالطبيعة وتفسيرها بأسلوب بصري مميز. تجمع أعمالها بين المحسوسات النسبية والسمات المألوفة بصرياً، وتمر عبر معالجة إبداعية للتوازن بين الضوء والظل، الألوان والتكوينات، لخلق تجارب بصرية تتحدى المفاهيم التقليدية.

تسعى بولنجيه من خلال تصوراتها إلى تجسيد الضوء كعنصر حيوي يتفاعل مع العناصر الطبيعية، مثل جذوع الأشجار، لإعادة إحياء وإعادة تفسير الطبيعة بأسلوبها الفريد. تعكس أعمالها تداخل الأبعاد والرموز، حيث تدمج بين الرؤية الحسية والرمزية، وتفتح المجال لتجربة بصرية جديدة تدمج بين حضارات الماضي والحاضر.

تتمتع أعمال بولنجيه بتقنيات عالية في صقل الألوان والمواد، وتعمل على تحقيق توازن بين الحركة البصرية وتباين الألوان، مما يخلق تناغماً بين الشكل والمضمون. يتميز عملها بقدرتها على إضفاء طابع روحاني وجمالي على العناصر الطبيعية، وتحويلها إلى موضوعات تعبر عن تجديد الوعي البصري وتجربة جمالية تتسم بالشاعرية والرمزية.

من خلال هذه الأعمال، تبرز أهمية التأمل في العمق الجمالي للغابات وأهمية الإنسان في تفاعله مع الطبيعة. تعكس بولنجيه من خلال أسلوبها الفني قدرة الإنسان على خلق تجارب مجازية ترتبط بالضوء والظل، وتكشف عن جوانب جديدة من الوعي البصري والجمال الفني.

في أعمال الفنانة كارين بولنجيه، نرى مزيجاً بديعاً من التفسير الفني للطبيعة وابتكاراً بصرياً يستحضر ملامح الحسية المدهشة من خلال أسلوبها المميز. تُعَدّ بولنجيه من الفنانات اللواتي يجيدن استحضار الأبعاد البصرية العميقة من خلال التلاعب المدروس بالألوان والضوء. تكمن عبقريتها في قدرتها على دمج عناصر الطبيعة مثل جذوع الأشجار بشكل يتجاوز التقليدية، مما يخلق تناغماً بين الرؤية الجمالية والتجربة الروحية.

تستند أعمال بولنجيه إلى فكرة الاستكشاف الحسي للضوء والظل، حيث تتحدى مستويات الألوان النسبية لتكشف عن تباينات مدهشة. هذا الاستكشاف يعيد تفسير العناصر الطبيعية بأسلوب يعكس التفاعل بين الضوء والظلام بطريقة فنية ساحرة. في هذا السياق، تتحول الأشجار والجذوع إلى رموز حيوية تعبر عن الصراعات والجماليات الطبيعية بأسلوب يتسم بالقدرة على إعادة الحياة إلى هذه العناصر.

البحث في أعمال بولنجيه يبرز دقة التفاصيل وتناغم التكوينات، حيث تُستخدم الألوان والخطوط لتحقيق توازن بديع بين الثبات والحركة. إن طريقة معالجتها للتكوينات الطبيعية تكشف عن إلمامها العميق بالأساطير القديمة والرموز الثقافية، مما يضفي عمقاً إضافياً على أعمالها. بفضل هذه التفسيرات الإبداعية، تنجح بولنجيه في تجسيد رؤية فنية تدعو المشاهدين إلى التأمل والتفكر في الروابط بين الإنسان والطبيعة.

تنطوي أعمال بولنجيه على دعوة للتفكير في الجمال المتأصل في الوجود الطبيعي وكيفية إعادة اكتشافه من خلال الفن. إن قدرتها على خلق لغة بصرية ترتكز على الضوء والظل، وتقديم جماليات تتجاوز الحدود التقليدية، تجعلها واحدة من الفنانات المبدعات التي تترك بصمة عميقة في عالم الفن المعاصر.

dohamol67@gmail.com

Doha El Mol