أبعاد الصياغة التشكيلية وتوظيفاتها
ضحى عبدالرؤوف المل
يؤمن الفنان" درويش شمعة" ( Darwiche chamaa)بتأثيرات اللون على المعنى، وما تحمله الأشكال من قوة في تحديد مسارات اللوحة وتنوع دلالاتها الفنية، لتحاكي العاطفة والعقل عبر أبعاد الصياغة التشكيلية، وتوظيفاتها التجريدية الكامنة تكعيبياً في واقع يكرسه مجازياً في إيحاءات تتماهى مع ما يصبوإليه من خصوصية تكمن في جمالية التكوين، ومؤثراته المرتبطة بالصراعات والانتصارات، والحياة والأمل، والعودة إلى قضايا الإنسانية وحركة اللون المتذبذبة بين ما ينبغي من دفع التعبيرات للانبعاث من القوى الغيبية أو مما ورائية الحدث الذي يستبطنه الفنان" درويش شمعة" بالخطوط الحادة، وحيثيات ليونة اللون ووجدانيته المرتبطة بالوصف والتحليل، لنماذج إنسانية غائبة عنه وحاضرة في آن.
تتسم تكوينات الفنان" درويش شمعه" بأشكال هندسية تتقاطع مع الموضوعات بعفوية الأسلوب، ومنهجه في بلورة المفهوم الإنساني الذي يسعى إليه. ليعصف بصرياً بفكر المتأمل كي تظهر المشكلات الاجتماعية أو النفسية أو حتى السياسية بنزعة تشكيلية بحتة، دون أن يغفل قضايا الإنسان والمفاهيم البنائية للمواضيع التي تتراءى فنيا بتناغم برز من خلاله تلاحم الوحدات، وتكامل العناصر التي حبكها ، ليضم إلى المعاني رؤاه الفنية، وأبعادها اللونية بحيث يجعل من العناصر البصرية موضوعات خصبة للخيال تنبع من التصورات الذهنية التي تعصف بها رسوماته الداخلية، والخطوط الفراغية بجوانبها الحركية الموازية، لسكون الكائنات وجوهر وجودها الرمزي في رسوماته، وبتطور حياتي تتخبط فيها مفاهيم الحياة والموت.
قيم موضوعية محاطة بأسلوب يجمع الصيغ التشكيلية، المتوازنة بدلالاتها ما بين المثلث والمستطيل والمربع، والإكثار من الخطوط المائلة نحوانبعاثات المفردات المخفية من معاناة وألم، لتلتحم إنسانياً مع الفضاءات التخيلية التي يتركها بين جماعات مختلفة الأشكال والأحجام تحاور بعضها البعض وتتناقض في اتجاهاتها، وكأن صراعات المجتمعات محبوكة في الداخل . إذ تتضافر الخطوط وتتكاثر لتجتمع مع بعضها، وتشكل مساحات الألوان المختلفة دون تقاعس الضوء والظل. ليتلاعب بهما وفق الفكرة واستحضار المشهد. مما يعكس توظيفا لمأساة ما، ربما هي تحولات الواقع الحسي إلى تشكيل تجريدي تكعيبي معا ، يمتزج فيه تعبير اللون وتضمين الحالات الإنسانية التي يستبطنها بغرابة يترتب عليها محو كل خربشات تشبه استبداد الخطوط على الألوان. فهل من صرخة إنسانية في لوحات الفنان" درويش شمعه"؟ .
يقلب" درويش شمعة" المفاهيم الاجتماعية، ويتركها كمومياء تنتظر من ينتشلها من توابيت سلطوية، يزيل عنها أكفانها ويعيدها إلى الحياة بيقظة نلمس منها ضوئية اللون الذي يختاره بنسبية عالية فنياً، ليتفاعل البصر مع الألوان الأخرى دون الإحساس بالحيادية لأي لون آخر رفع من نسبة الضوء فيه. .ليحاول الالتفاف على الذات، ويترك لموضوعية رموزه القيام بمحاكاة المتلقي منادياً بالوحدة الإنسانية عبر العودة إلى العظة التي تبقى بعد كل صراع إنساني ينتزع منا الأمل في الحياة، فطمس الوجوه عبر المستطيل والمربع هي التشابه والتماثل في استدعاء التخيلات التي برع في خلق إيحاءات خاصة لها ، تثير شغف المتلقي وتدفعه إلى مزيد من الاكتشاف . إذ يميز بين الإيقاع الداخلي الحزين، وبين الإيقاع الخارجي القلق والمحسوس بطغيانه على الداخل الذي جمعه في لوحات لها أبعادها الإنسانية وتداعيات الحروب وتاثيراتها على الكثير من الرموز مثل الظلم والاضطهاد، وتشتيت الرؤية الحقيقية لتكون كالاستيلاء على الأموات والأحياء في الحياة التي رسمها "درويش شمعه" في لوحاته.
dohamol67@gmail.com
Doha El Mol