مؤثرات تشكيلية تتسم بالغموض الحسي
ضحى عبدالرؤوف
يتخذ الفنان "صافي جوني " من الرسم فناً للتعبيرعن لواعجه بلغة تشكيلية ترمز إلى أحداث يحتفظ فيها بلوحات مرصوفة بصرياً يتبلور من خلالها المعنى اللوني، ومغايرات الخطوط وقوتها في بث التضاد بين ثنايا اللوحة، ليكسر ما هو مألوف في اتجاهات اللون. أي من الخارج إلى الداخل، ليحدث الوقع النفسي القادرعلى توليد مؤثرات تشكيلية تتسم بالغموض الحسي ، المتأجج بالدلالات التاريخية، لمنح الأشكال مضامين فلسفية لها أبعادها التعبيرية وآفاقها المتسعة عبر مساحة اللوحة وتأويلاتها المتعددة كجزء من الحدث المادي وقوة تعبيراته المعتمة، وفق مفهوم الحزن والإشارات المرتبطة بالحروب التي تختزن المعاني الإنسانية في كل لوحة من لوحات صافي التي يحاكي فيها العالم بأسلوب بصري محسوس، وملموس عبر حركة اللون الداخلية، ولمحات الصراع مع الطبيعة التي تدور حول نفسها، وكأنه يريد القول التاريخ يعيد نفسه في الحروب وتأثيرها على الإنسان.
يمزج الفنان" صافي جوني" ألوانه بكثافة لزيادة التأثير وبلوغ الغاية الفنية لريشة تهدف إلى خلق رؤية إنسانية. تستنكر لغة الحروب، وتبحث عن الجمال والسلام، لتسمو الأشكال وتحقق غايتها البصرية بمشهد حسي غني بالشجن دون أن تخلو الحركة من الوجدانية المفعمة بالألم والرحيل الرمزي، المنبثق عن اللاوعي الإنساني حيث تتهادى الإيقاعات الحركية بتوازن تتداخل فيه الخطوط، فقد جعل من الطيور انطلاقة لها قوتها التعبيرية وجمالها التأليفي بجاذبية لها قواعدها التقليدية في إبراز سياق المعنى المتجذر في اللوحة.
خطوات تشكيلية متحررة من الذات تتضمن الواقع الرمزي، لحدث يخلده في لوحات تستنكر الويلات الإنسانية في أبعادها المضمونيه، ومزيجها الأسلوبي في التضاد والتحاور، وبانزياح بصري يشير إلى قوة الحياة في التجدد والانتفاضة على الواقع الإنساني الذي ينتقده صافي عبر رسوماته التي نستلهم منها عدة إيحاءات، لصراعات داخلية تؤدي إلى انتهاك حقوق الحياة، وليس الإنسان فقط وبانعكاس درامي له ديناميته الذهنية التي تجنح إلى رمزية ترتقي إلى مستوى التأمل الفني الغارق بالتأويلات، وبالخصائص التشكيلية الموضوعية ومعناها الفني التعبيري مع الحفاظ على تقنية إيقاعية لا رتابة فيها، ومرنة في اتجاهات خطوطها وتطورها التخيلي في ذهن المتلقي.
يعتمد "صافي جوني" على المدركات البنيوية، ومتغيراتها الدلالية المؤثرة بصرياً على ديناميكية الأسلوب الذي يعكس حقبة زمنية، تشكل أزمة إنسانية في بعدها التراجيدي مع الأحتفاظ بالقيم الجمالية للوحة، النابعة من الأحاسيس الفنية المجتمعة في رموز يصورها تعبيرياً، لتكون بمثابة لغة تنتهج التحديث والتغير، والعودة إلى نقطة الصراع الإنساني والاحتكاك مع الطبيعة، وما تمثله من جمالية في نفس الإنسان. لأنها تحاكي الحدث تبعاً لتجددها في خلق جدليات حياتية من خلال الموت والحياة البارز في طيات المعاني التي يحبكها صافي مع اللون والشكل والنظام الحركي لكل منهما في اللوحة .
متعة في اكتشاف اللوحة يمارسها المتأمل لإعماله. إذ يجمع بين بنية المعنى، وبنية اللون ببرودة تتخللها حرارة بعض الألوان، وبعدها الإنساني، وبتحفيز يعكس الوعي لخلق تساؤلات فنية تستفز الرائي، وتتسرب إلى وجدانه للمساهمة في فهم القيمة الجمالية ومميزاتها الفكرية، المشبعة بالألوان الإنسانية ضمن رمزية كل لون مزجه بمعايير الحرارة والبرودة، والتحاور والتجاور للوصول إلى المشاعر الداخلية، وحيويتها التي تنطق بوعي تكويني ذي تشكيل لا ينحصر بالمعنى الحسي فقط وإنما بتعبيرات يتفاعل معها المتلقي.
جذور يتمسك بها تشكيليا لتصبح سطوح لوحاته كالأرض التي يعيش فيها بجمالية تسهم في إيصال رسالة إنسانية يستبطن الشكل معانيها، لتتجلى قيم الحياة بشكل أعمق من الواقع الذي يحيله إلى طير ينطلق محلقاً في فضاءات ضيقة يحصرها باللون لإبراز معطيات البقاء والوجود، ومقاومة الصراعات بالتمسك بالجذور من خلال شجرة تلتف كعاصفة ، بالاعتماد على البعد الجمالي.
dohamol67@gmail.com
Doha El Mol