ذاكرة الحرب في لوحات الفنان أيمن البعلبكي

ضحى عبدالرؤوف المل

ارتبطت ذاكرة الحروب بالأمل والقدرة على الانطلاقة الرحبة في فضاءات الحياة ذات الأمكنة التي حملت من الذاكرة انطباعات مختلفة لوناً وشكلاً وتحليلاً بصرياً . ليحاكي الفنان " أيمن البعلبكي" ( Ayman Baalbaki) الذهن البصري بشتى الوسائل التشكيلية. ويسترجع للحظة الحاسمة في الماضي صرختها التشكيلية التي تحتفظ بصور الحروب المستخرجة من الذاكرة التشكيلية تحديداً في الحاضر، وكأنه يعيد صورة الحرب إلى الأذهان، ولكن بغرابة ريشة لها سلوكياتها الخاصة في تنفيذ الشكل بأبعاده المكانية، ونكهته اللونية التي لا تخلو من فضاءات تخيلية يتركها في الألوان السماوية، والضوء والإيحاءات التي ينفذها بعدة أساليب فنية لها رؤيتها الخاصة .

يحافظ " أيمن بعلبكي " على حساسية اللون وتعبيراته المتناقضة مع الصورة الواقعية واتجاهاتها البصرية التي تتمحور حول نقطة معينة من استحالة إعادة الأمكنة، كما كانت وصولا إلى فقدان الإنسان الذي مات أو تهجر أو حتى تشوه، كما تلك الأبنية التي يصورها ويترك للون ترجمة المشاعر الداخلية للوحة بأسلوبه البنائي لكينونة اللون أو عبر السماكة ومشاكسة الخطوط. أو بما هو تركيبي متوائم مع اللوحة التي أزعجت أحاسيسه وأثارت فضوله الذهني ودفعته إلى تجسيد فني يعايش من خلاله الحرب على طريقته بعناصرها ووسائلها الصامتة القادرة على اختراق السكون بجمالية هيمنت على المعنى، وكأن اللوحة انتشلت من الحرب نفسها، ولكن في زمن مختلف ما زال ينتظر معرفة الأسباب التي تثير حواسه وألوانه والأدوات الفنية الأخرى .

مآسي الحرب بين المعتم والمضيء، والداكن والفاتح تحقق لغة خاصة في لوحات" أيمن البعلبكي" وتعطي الأمل بين فسحات الضوء أو الفراغات المشحونة بعنصر التغيير الزمني. ليدرك المتأمل للوحاته أن التفاصيل خرجت من الذاكرة، ومن منطق الحروب بين أمكنة غزل خطوطها بتشابك يشبه خريطة يصعب فهمها، ليقهر الذاكرة قبل البصر، ويعيد بأسلوبه وجودية الأمكنة التي غادرها سكانها قهراً وليس رغبة بالرحيل . إلا أن اللون احتل بتعتيقه ومزجه الأسس الأولية في تكوين اللوحة العابقة بحرب مارسها عليها قبل أن تخرج إلى النور، كلوحة فنية تمتاز بالمقاييس البنائية مضموناً وشكلاً بعيداً عن الموت الحسي . إذ يشكل الموت المادي حقيقة بصرية أرخى تفاصيلها في لوحة كخيوط العنكبوت، لكنها مشدودة الأركان ومتسعة الآفاق ، لكن السؤال الذي يعيد نفسه ! هل يمكن لمن رحلوا العودة إلى تلك الأمكنة التي رسمها "أيمن البعلبكي" خالية الشوارع ضمن جغرافية تشكيلية تميزت بها لوحاته الثابتة واقعياً والمتحركة تخيلياً من خلال اللون. أي حراراته وبرودته وفروقاته في التدرجات والتضاد والتوافق، وكأنه في اشتغال مستمر عبر الذاكرة واللون، وبدرامية أو بانورامية لها صداها التعبيري في واقع لوحاته حتى في خطوطها الوهمية، لتغدو مصداقيتها هي القدرة على استخلاص قوانين الحرب والسلم، والارتكاز على الخسارة المادية والروحية. لنتساءل بعد تـأمل طويل لعمق اللوحة أين الإنسانية من كل هذا؟

جنون فني يعصف بمكان يحاكيه البعلبكي بأساليب الصياغة الداخلية والخارجية، وكأنه بيستنبش اللوحة ويسحب منها بعض التفاصيل إلى خارجها. بل كأن الصراع ليس محدوداً في لوحة رسمها، إنما هو موجود في الواقع والتاريخ والماضي والحاضر وبجولات تشبه جولات الرسم المعقدة التي يقوم بها كسمفونية ملحمية يروي من خلالها سيرة الحرب في ذاكرة فنان يمحو المأساة الإنسانية بالمأساة المادية أي الحجر والأبنية حتى يكاد يشعر المتلقي بسكون المكان وعبق اللون في انتظار عودة من غادروا ولن يعودوا إلا بصرياً.

dohamol67@gmail.com

Doha El Mol