الصراع النفسي الداخلي ومؤثراته على اللوحة الفنية

ضحى عبدالرؤوف المل

تتخذ لوحات الفنان" داوود"( Daoud ) اللبناني المنشأ والفرنسي الجنسية مواضيع جمالية ترتبط بثقافة الصراع الأبدي بين الخير والشر عند الإنسان منذ نشأته حتى الآن. إذ يغمر الألوان بالظل لتكوين محاكاة بصرية بالغة الحبك والمعنى فنيا، وبأبعاد متناهية تستهدف خلق إشكالية فنية تعصف بالوجدان لتقريب وجهات النظر في مفهوم الصراع، ومنح الملامح الإنسانية رؤية متداخلة مع الصراع النفسي الداخلي ومؤثراته على اللوحة الفنية بشكل عام ، إضافةإلى الألوان الداكنة المباشرة وغير المباشرة كتلك التي يمزجها بشفافية مع السماكة، وكأنه يظهر مدى كثافة الحزن الناتج عن طبيعة هذه المفاهيم الإنسانية وجذورها المرتبطة بالإنسان ومظاهر انعكاسات ذلك عليه، مما يعكس ثقافته في لوحة ذات ثراء فني واضح وضمن عدة نقاط يتم التركيز عليها من خلال الرغبة والتوافق في استخدام اللون بقوة والتركيز عليه لإظهار السرد التشكيلي، وإبراز طبيعته المعقدة في خلق معاني ودلالات بصرية تمنح المتلقي موضوعية ذات منظور نفسي، وبتضاد يؤدي إلى التكييف الوجداني مع اللوحة.

لوحات فنية ذات سمات أساسية من حيث المعنى والمبنى، والقدرة على تحديد البعد الأنثربولوجي لصراعات اللون والشكل الناشئ عن إظهار الاختلافات السطحية بين الجماعات الإنسانية وأثرها العميق على النفس. لهذا يتلاعب داوود بالألوان الحارة والباردة ويمزجها وفق تقنيات تنم عن حالات نفسية مختلفة يمر بها عند الرسم أو العمل على موضوع اللوحة، وديناميكية الأسلوب الفني فيها، والتنافس الجماعي أو الفردي بين الظاهر والباطن، حتى وإن بدت الملامح في اللوحة غير ظاهرة. إلا أنها تؤدي دورها في منح اللوحة صفة الصراع الأبدي بين الخير والشر، وحتى بين الإنسان ونفسه، وهذا ما يظهر في لوحات البورتريه التي تمثل أساساً نوعاً من ثقافات خاصة لتطلعات فنية هي جزء، بل وبنية أساسية تمثل الحركة اللونية الداكنة جزءاً مهماً منها. إذ تحدد تطلعات الإنسان إلى الخلود الماورائي والمجهول بحد ذاته، مما يجعل العناصر الفنية تتصادم مع بعضها وباتساع تخييلي يستمتع به المتلقي.

سلالة إنسانية يظهرها بطمس الملامح التي تتماشى مع كل زمان ومكان، إضافة إلى خلق بيئة فنية خاصة بيولوجيا تثير عدة تساؤلات جوهرية في النفس، يمثل في بعض أبعاده الألوان المختلفة للجماعات التي يرسمها بأحاسيس عالية. لما تشكل في ثنايا خطوطها من عاطفة وجدانية تضمها الألوان السردية المحملة بتعابير القيامة والحنين الملفوف بالعودة إلى الجذور الحقيقية للإنسان وحقيقة مساره على الأرض . إذ تشكل فضاءات المساحة في اللوحة الأرض الثابتة التي نشـأ عليها الإنسان، وبالتالي هي أيضاً الأرض الخصبة لشخوصه التراجيديين المتجهين نحو السلام الداخلي أو الاتجاه نحو الأبدية أو الخلود بتأمل العتمة والنور . أو ما هو محسوس في لوحاته العتمة والضوء وثغرات فراغية هي جزء من تكتيكه الخاص، المؤثر بصرياً في النفس، وكأن المتلقي أمام قطعة أوبرالية بصرية ذات صلاة بما هو سماوي أو بالأحرى ما ورائئ يجسد قيامة الإنسان الجديد التي تبدأ من داخل اللون إلى الخارج حيث الخطوط ومعارك الحياة الأبدية بين الإنسان وظله أو بين أبعاد مفاهيم الخير والشر.

قد تبدو لوحات الفنان داوود للرائي بسيطة وغير معقدة. إلا أنها تمثل محاكاة الإنسان لنفسه بفن تشكيلي درامي يعتمد تصوير الجانب النفسي بالألوان، وقدرتها المؤثرة على الحواس، وبتناغم إيقاعي يتسم بتقنية اللون الخارجي والباطني وقوة التضاد بينهما، كأنه يجادل الحزن والمأساة في النفس البشرية بشكل عام، ويعيدها إلى الإنسان نفسه. ليتحرر من الذكريات وينتفض كما تنتفض ألوانه برغم الألوان الداكنة فيها. إلا أنها تثير التفاؤل والأمل في الوجود الذي تتصارع فيه حتى الأنفس مع بعضها أو بالأحرى تصارع اللون الواحد مع ذاته. لينتج عنه عدة تدرجات ضوئية شفافة في رؤاها وعميقة في معناها ، فالتعابير اللونية في ريشته لها فلسفتها التراجيدية الخصبة، وبتطابق حياتي ينتزع منه المشكلات تاركا للصراع المادي والحسي حسية الحركة الجمالية في اختلاف النسب التشكيلية النابعة من أهمية اللون في خلق الخطوط النفسية أو المزج بين الحلم والحقيقة وتأجج التعابيرللولوج إلى الانفعالات بمعانيها المختلفة عند الإنسان.

dohamol67@gmail.com

Doha El Mol