إنصهار الفكرة في الأسلوب الفني

ضحى عبدالرؤوف المل

تجمع «نايلة قاعي ساروفيم» بين الأساليب الفنية والمعايير الموضوعية المختزنة في لوحاتها الإبداعية، وبين الفكرة الواقعية التي تطلقها نحو مخيّلة تضيق وتتسع مع كل المراحل العمرية التي تتأمل أعمالها الفنية، بدءاً من لوحة تتجسّد فيها التقنية البصرية والتي تعكس الظل، لتظهر قيمة التضاد اللوني وقيمة الفراغات المفتوحة، لأنها تعتمد على الضوء في تشكيلاتها الهندسية المبنية على خلط الأساليب المتعددة معتمدة على منهج فني تأثيري وتكنيكي مرن، ومحبب إلى نفس المتلقي. لأنه يضعه أمام اختيارات تقنية حديثة فنيا تتماشى مع سرعة الصورة، وما تتسبب به للمخيّلة البصرية، فيشعر المتلقي أنه معها داخل كل صورة أو أنها هي الركن الأساسي لوجودها داخل المساحات الذهنية التي تثير عصفاً فنياً له أبعاده الجمالية من حيث الفكرة والموضوع والأسلوب.

مسامير غرستها بأسلوب منظوري، في لوحة كتبت عليها بيروت بأسلوب لوني انعكاسي وفق خارطة ضوئية تحدد من خلالها الأبعاد الفنية، وجمالية الحركة في كلمة تتناغم الخطوط فيها، بحيث توحي بأشكال جغرافية، وكأنها تحاول توزيع البصر على أنحاء اللوحة، ومن ثم تجعله ضمن مقاييس لونية يتناقض من خلالها الضوء والظل، والأبيض والأسود، والصورة التي تحقق الانجذاب الفكري والبصري، لنشعر بالتوازن الانعكاسي في الشكل والحجم واللون والفراغ، وكأنها ترسم محاورات ذاتية تنبع من حاجتها إلى خلق أمكنة انطبعت قي داخلها تخيّليا، وتسبب بها الواقع المحتاج إلى جمالية تفوق الواقع الحقيقي لتلك الأمكنة. فالمدى الزمني في أعمالها يبرز في كل خط أفقي حافظت على تواجده في أعمالها التي تميل إلى الدمج بين الفوتوغرافي والميديا، والفوتوشوب، والفن التشكيلي، والتركيب الإبداعي، لأنها قادرة على تحقيق مبدأ الجمال الفني والابتكار الإبداعي.

انتعاشات لونية تعتمدها كلما ازداد الأبيض والأسود في تواجده بنسبة تفوق الألوان الأخرى، لتجعلنا نرى الأشياء حسب مقاييسها الواقعية والتخيّلية، فالتوازيات بين لونين أساسيين تتغيّر شدة الكثافة والشفافية فيهما، قياسا مع الألوان الأخرى التي تعتمد على الضبط البصري، والتكنيك التصويري المتسم بالانفعالات الايحائية، لتخاطب الوجدان بمقاييس ابداعية ابتكرتها، محاولة تقديم فنا تأثيريا تحاور من خلاله مختلف الأذواق، حيث دمجت الأفكار الغامضة مع الواضحة، مستهدفة إيقاظ الشعور الجمالي في كل عين تتأمل الحركة والضوء، والظل والفراغ، والمساحة، واللون، والخط في أعمالها البسيطة والمعقدة في آن. فالتناسب الحيوي في الأشكال هو انصهار الفكرة في الأسلوب الفني المتأثر بالضوء الحسي، مع التلاحم المضموني الذي يشد الفكر نحو سرد تعبيري أحيانا، بساعد المتلقي على استنتاج تحليلات منطقية، وكأنه يقرأ رسوما كاريكاتورية، ولكن من خلال فن ابداعي معاصر واعي من حيث الأساليب الفنية الواضحة في تداخلاتها وتحوّلاتها، ومتغيّراتها الإيقاعية التي تضم أيضا جمالية فراغ يضم تكنيكيا فكرة مغايرة تمنح العمل الفني أبعاده الخاصة.

انطباعات تثير متعة التذوّق الفني عند الرائي، حيث يستطيع لمس وجدانياتها التي تستهدف فتح فضاءات متسعة تثير قوة التخيّل الفني المساعد على كشف أساسيات فكرية، تهتم بتعبيرات واعية التقطتها نايلة من الحياة، ووضعتها ضمن خطوط لها مساراتها الحياتية، التي انطلقت منها «نايلة قاعي ساروفيم» لتبدأ كل عمل توّجته بحداثة فنية تتماشى مع جدليات الواقع ومتطلبات الخيال، لتحقق شمولية فنية ترقع من خلالها شعارات جديدة أيديولوجية منحتها صفة التعايش الفني، والقدرة على المحاكاة المبنية على العمق الفلسفي في تشكيل اللوحة الإبداعية بوسائل عديدة كالمسامير مثلا والمزج الفوتوغرافي مع التشكيلي وغير ذلك.

تكشف الأفكار المتنوّعة في أعمال «نايلة ساروفيم» عن إيقاعات داخلية ذات منظور إنساني يشع بتصورات عفوية تلقائية جسّدتها في أعمال فنية تُظهر فيها قدرات تتفاوت أساليبها من حيث الانسجام والتناغم في الرؤية الفنية، ومنظورها المكاني والزمني كلوحة تظهر فيها الجسور والأبنية، كأنها خطوط تتنافر مع بعضها وألوان تتشابك، فيتزامن الحدث الفني الملتقط مع الأبعاد الثلاثية المرتبطة بمقاييس منظوريه، تكتنفها تفاصيل فنية منسجمة مع الوحدات والعناصر الشكلانية المرسومة بخطوط ابتكرتها، تتميّز بموضوعية تحمل فكرا رياضيا مرنا حققت من خلاله «نايلة قاعي ساروفيم» أعمالا فنية تلتزم بالواقع المتخيّل لتصميمات أقرب لما هو قصصي ومتطوّر من حيث الأداء الإبداعي.

مستويات بصرية مختلفة من حيث الحركة والفراغ، وشدة التلاعب بينهما الواضحة بين لوحة ولوحة، كتغيّرات لا تثير الضجر والملل في نفس المتلقي الذي يتأمل الأعمال في معرضها. إذا تحاول خلق مفاهيم جديدة تعتمد على تكنيك التماثل، والتشابه في التفاصيل الحياتية المأخوذة من لحظات غريبة دمجتها مع بعضها كصور النساء في لوحة موضوعية، جمعت فيها الوجوه المختلفة من كل بلد زارته، وكأنها تبرز قيمة الإنسان والتشابه القوي بين الشعوب، ولو ابتعدت الخطوط الزمنية عن المكان، ففي هذه اللوحة اكتفت «نايلة ساروفيم» بالتواجد الإنساني والقيمة الجمالية، لأي مكان يتواجد فيه الإنسان مع الفراغ الضوئي الذي يبتعد منه الظل ويقترب وفقا للكتلة، وقدرتها على استيعاب الضوء وكسر حواجزه من خلال البراعة في تقنية الأداء الفني، المتضمن فكرة الاختلاف والائتلاف عند الإنسان، وفي المواضيع الفنية الإبداعية التي لا تعتمد على ريشة فقط إنما على مهارة تتجلّى ظاهرياً ضمن نماذج تصويرية مزجتها بتأنق مع اللون والشكل، والنغمة، والنسيج، والفضاءات البصرية، والأحاسيس على لوائح تشكيلية بصرية لتنطبع في الذهن، وتبقى داخل منظومة رقمية تناهض كل برمجة لغوية عصبية. تتخذ من ردود الأفعال المواقف السلبية والإيجابية ذات أشكال تتلاعب بالفكر وتسيطر عليه . بل وتجعل منه مسجوناً داخل معتقدات مغلقة على نفسها ، ومنفتحة نحو الظاهر المنبثق من رؤى جمالية يتم برمجتها ذهنياً، ولا تخلو من تجريد وتقشف لوني، وقسوة تتجاوز مفهوم البصر والنظر، وتدخل إلى بيئة مفيدة ربما تكون مدينة تاريخية أو جزء من ذاكرة تمت السيطرة عليها بكل أبعادها الحسية ، وربما تكون الانتهاكات الإنسانية العالقة في الأذهان قبل الأجساد، والمشحونة بطاقة افتراضية ذات نسق إبداعية لها حركاتها الإيقاعية حسياً، وفضاءاتها الرحبة المفتوحة وهمياً على انعكاسات حركية في تضاد رياضي، وتنويعات لونية مخففة ضوئيا ، ومكثفة بالمفردات والعناصر.

dohamol67@gmail.com

Doha El Mol