فلسطين الأم في لوحات الفنان نبيل عناني...

ضحى عبدالرؤوف المل

تشرق الألوان الحارة والحادة في لوحات الفنان " نبيل عناني" كما تتخذ الخطوط أبعادها من المراحل السلسة في تدرجات اللون والخط ، خصوصاً حين يجمع ما بين الخط العامودي والخط المنحني، مخففا حدة الخطوط بالألوان المثيرة بصرياً وذهنياً. لأن خصوصية كل لوحة رسمها " نبيل عناني " تنبع من أحاسيسه الوطنية المرتبطة بفلسطين . كأنها المرأة أو شجرة الزيتون المباركة أو الأرض الزاهية الممتلئة، وكأنه لا يحب الانفصال عنها. لأن كل لوحة من لوحاته هي فلسطين، هي الحياة، المرأة ، الطفل، الشعب، الأرض، الشجرة أو السماء المدرارة، وحتى تلك المقيدة بأسوار باطونية ، والتي ترك فيها لغة خضراء تبعث الأمل في نفس المتلقي. حيث الجمال يمتد إلى خارج الأسوار الممتدة، وحيث فلسطين الأم في لوحات ناشطة وجدانياً وممتلئة بالأحاسيس الجمالية .

يترجم " نبيل عناني " انفعالاته الحسية تجاه فلسطين باللون الزاهي المتماسك بدرجته القوية ، التي يواكب من خلاله اندماج الألوان الأخرى مع بعضها ، وكأنه يدعو شعب وطنه إلى التآزر والتماسك ، وإثارة المفاهيم الجمالية الكامنة في الأرض والشجرة ، والثوب والمسيرة التي رسمها كجسر موصول بين النصف دائرة أو القبة ، وبين الشجرة المتمسك بها في أغلب لوحاته البانورامية ، وتكويناته الوجدانية التي تؤجج العاطفة الوطنية. كذلك يعتمد على التكرار الإيقاعي والصياغة المباشرة للتأثير على الفكر والحواس، فهو يركز على التشكل والارتباط، وعلى التلاحم بين المضمون والأسلوب. لتتكون عند الرائي الأحاسيس التحفيزية التي تدفعه لرؤية المزيد من اللوحات، وكأنه يقرأ بصريا حكاية شعب يبحث عن الجمال الدائم في زوايا وطنه، ومساحاته الممتدة رغم الأسوار التي يظهرها في بعض اللوحات الحاضنة للحكاية التاريخية التي تتسم بجمال طبيعة فلسطين، وبالأزياء التراثية والفلوكلوريات النابضة بالألوان والخاصة بالزمان والمكان ، والتاريخ المتجدد في تشكيلات فنية، تؤرشف لذاكرة جمالية تحتفظ بالأنماط المتعددة في وطن واحد.

علاقات ثنائية وجماعية نتشارك معه بها من حيث الحركة والمعنى، والمسارات الضوئية المتغلغلة في فواتح الألوان التي تشير إلى التيقظ والوعي الفني الذي يجعل منه " نبيل عناني " رسالة تتخطى حدود والوطن، وتتجه حيث اللغة البصرية المقروءة ذهنيا وتخيليا، وحيث الوصف والتحليل للأمكنة الظاهرة في لوحاته كما في لوحة " شرق القدس" معتمدا في كل ذلك على الأبعاد والمفاهيم التشكيلية، والتأويلات والدلالات الإيمائية ، المجردة هندسياً من التعقيدات الجيومترية. إلا أنه يحافظ على السيمترية وعلى القواعد الجمالية المنبعثة من قدرته على إمساك الخطوط، والتلاعب باتجاهاته مع الحفاظ على تقنية لونية صارخة بالمحاكاة ، والحوارات المثيرة حسياً بصفتها الكينونة والنغمة، والصوت المحفز للمحافظة على جوهر المكان الداخلي والخارجي. لنشعر وكأن اللوحة كتلة واحدة لا يمكن لأي عنصر من العناصر الفنية الانفصال عنها. لأن نقطة البداية هي الفكرة والخط واللون أو بالمعنى الواقعي هي الوطن، والأم، والشجرة، والأرض.

يعتمد " نبيل عناني " على ملكته الفنية الفطرية في تشكيل أحاسيسه الوطنية، المتلاصقة بالواقع الإنساني، والوطني بكل معانيه وصراعاته من أجل الحفاظ على هوية فلسطين، وقدرتها على البقاء. فريشته الراقصة على إيقاعات الألوان مشبعة حسياً بجزئيات ضوئية، مرتبطة بالحركة والخط والقدرة على تحديد الأطر للاشكال الهندسية ، كالمستطيلات، والمربعات، والدوائر ، وأيضاً الخطوط وقوتها الحدسية التي تبث جاذبية تسمح للمتلقي بالاستمتاع في التأمل والفهم والتفكر، فيستطيع بذلك فك شيفرة الرسالة التي يوجهها " نبيل عناني" للعالم من خلال لوحة فنية تشكيلية تهدف إلى توطيد الجمال، وتسخيره في خدمة الدفاع عن الوطن، ليتم الإدراك الفني، وتزداد الريشة في الكشف عن كوامن الذات الساكنة في عمق كل لوحة تتسم بالحيوية اللونية، والنداءات التراثية والجمال الديناميكي المؤثر على الإسقاطات التخيلية على الواقع المرسوم والمضمون المفهوم.

يتحكم الحس الفني في بنائية اللوحة وواقعيتها التصويرية ، المتوافقة مع الرؤية بشكل عام، ومع الأبعاد المنظورية للألوان وتتابعها الحركي. المستمد من تشكيل سينوغرافي يسعى من خلاله " نبيل عناني" إلى خلق مشاهد واقعية بعيدة عن التقليد المضموني، ومتعلقة بالبساطة التعبيرية البعيدة عن العبث والفوضوية والمنسجمة مع رمزية المعاني المتعلقة بسيمترية الخطوط، وتأثيراتها البصرية على الحواس والأداء التعبيري المتزامن مع المدلولات الفسيولوجية المبنية على معالم إنسانية . تنادي بالبقاء والمحافظة على الجمال، كما في لوحة" عين على القدس" الممزوجة بألوان حارة وباردة، وبأبعاد تروق للعين وللمدلولات الرمزية التي يشير إليها " نبيل عناني " بالوشاح الأبيض على رأس المرأة ، والذي يرمز إلى السلام وطموحات الوطن في خلق الاستقرار والسكينة وإلى اشتعال اللون الأحمر في شفق يمتد كدم شهداء يغطي مساحات واسعة من خلفية صورة تظهر فيها القبة المذهبة أو القدس القديمة بكل تراثها ومعالمها التي تبعث في نفس المتلقي الحنين والأمل بعودة شعب يختزن في دواخله الألم والمعاناة، فهل الألوان السياسية تؤجج الصراعات الداخلية والخارجية، كما تتأجج بتناقضاتها وتضادها في لوحاته؟ أم أن فلسطين هي تلك المرأة الجالسة على الأحجار الصفراء في لوحات " نبيل عناني" وهل سيطول انتظارها في تحقيق النصر ليعود إليها السلام؟.

dohamol67@gmail.com

Doha El Mol