أسلوب فني يخفي من خلاله " محمد سعيد بعلبكي" الهوية الذاتية
ضحى عبدالرؤوف المل
تتكثف الألوان وترتمي العناصر الفنية مع الحقائب اللونية المكدسة، كعشوائيات منسية على لوحة يلعب فيها الظل دوراً جمالياً. يكشف عن رؤية تجريدية لا تخلو من سريالية مزجها ضمن أسلوب فني. يخفي من خلاله " محمد سعيد بعلبكي" الهوية الذاتية لألوان سردية تتصارع فيما بينها، وتلغي كل خط تجريدي تراه العين ضمن هندسة لها حضورها الفني. الممتع بصرياً والمفهوم إيحائياً داخل فضاء لوحة تكشف عن منهجية لونية، تأويلية تخاطب الوجدان حدساً وحساً، وتمنحه تكوينات جزئية لعناصر فنية متداخلة . تمثل تقنياً اسلوباً فكرياً يعتمد على اللون كسرد جمالي وصفي له تجريده وأبعاده، ورؤاه المعاصرة فنياً.
تساهم الألوان في أعمال " محمد سعيد بعلبكي" على تحريض الحواس، بوصفها تساعد الوجدان على فهم الصياغة الفنية، وإدراك ماهيتها الجمالية وقدرتها على خلق نمازج بنائية ذات رؤى معينة. تخضع لتحليلات بصرية تعصف بمستويات الفكر الفني المستند على درجات اللون الواحد، ومدى تآلفه وتنافره مع الألوان الأخرى الجريئة في تراصفها وارتباطها بالواقع الزاخر بالأحداث المتشابهة زمنيا، وبالقيم الجمالية والفنية القادرة على خلق إيحاءات نستدل من خلالها على فلسفة ذاتية تنطلق من عمق اللوحة وتستقر في فكر المتلقي.
ألوان أساسية حارة وباردة، وألوان مركبة جمعها في لوحة متناقضات. جمعت خطوط الطول مع العرض كما جمعت المربع مع المستطيل، والأبيض والأسود ضمن فواصل تمثل استراحاتها متعة بصرية . تترك الفكر في حالة تأمل حيث يلعب الظل والضوء دوراً مهماً في جذب الحواس، والمسارات الهندسية المتقوقعة داخل تجريدية نسيجية. تداخلت وتشابكت ضمن بعضها البعض، قبل أن نحاول تفكيك الأشكال التي تملك خصوصية فنية من حيث الهندسة التجريدية، والالتواءات اللونية التي تتوشح الضوء المتناسق إيقاعياً مع هارمونية الحركة للأشكال المتقاربة، والمتباعدة مقتحماً بالأبيض مساحة اللوحة من خلال لمسة لها أبعادها ، وتأويلاتها التي تهدف إلى إثراء الشكل ، وجعله كتلة يسهل تفكيكها ويصعب جمعها.
تعكس التباينات الضوئية الشديدة التفتيح والتعتيم انعكاساتها، ضمن المساحة الضيقة ذات الالتماعات الضوئية التي تضج بتماوجات موسيقية تسببها الألوان المتناغمة ، والمنظمة حركياً من حيث التكوين التجريدي، والرؤية السريالية في بعض اللوحات الأخرى ، العابقة بروحية فنية تتدفق منها إيقاعات داخلية. تزيد من مساحات الضوء والظل، فتتوهج اللوحة وتزدان بجمالية تجريدية لها إحساسها المنبثق من أعماق الكتلة المشبعة بالخطوط والألوان التكوينية المتشابهة والمتجانسة، والمتصلة بالزمان والمكان المتجدد داخل مساحات تتواءم مع الفضاءات المتخيلة ،لأسلوب تجريدي ارتبط بقياسات الشكل واللون، والأبعاد والترتيبات الحيثية لكل شكل تفاعل وتضاد مع اللون والضوء، ومع الفضاءات التخيلية الغارقة بالمعاني السايكولوجية الموحية لطبيعة فنية تهدف إلى منح الوجدان جمالية خاصة.
لوحات غارقة بالحس التخيلي، وبتأثيرات موضوعية ناتجة عن الفضاءات اللامحدودة . لكل لون يبعث على الحزن والفرح، وعلى الأمل واليأس، وعلى الغموض المثير للمشاعر الانفعالية التي تقود الحس نحو التأمل الفكري والخيالي . وفق رؤى درامية نفسية تنقلنا من الحس إلى الحدس، وبالعكس مما يولد إرهاصات فنية لها سيميائبتها، ورمزيتها وأشكالها الوهمية التي تؤسس لأشكال نستمتع برؤيتها، وانعكاساتها داخل الذات ومعطياتها التذوقية ، لفن تدركه الحواس عن طريق الخطوط واتجاهاتها، والألوان ومساراتها، والضوء وشدته وخفوته، ودلالاته الأسلوبية والمعنوية، كبعدين تم تفعيلهما دلالياً وتعبيرياً من حيث الطول والعرض، والأفقي والعامودي، والمائل والمنحني لمنظور تصميمي يعتمد على الإسقاطات البنائية لمفهوم فني يؤسس له " محمد سعيد بعلبكي" شكلا ولوناً وتصميما.
تكتلات فانتازية تتصف ببنية هندسية لونية. تعتمد على التناسب في التوزيع الفني للأشكال الهندسية ، المختلطة بأبعادها وأحجامها، وألوانها وفراغاتها التي تعطي إحساساً بالترابط الوهمي. المشبع بدلالات جمالية مؤثرة حسيا على البصر، ومدى التذوق الفني ضمن معايير تجريدية لها أبعادها الرؤيوية، والهندسية وجماليتها التي تحدد المهارة الأسلوبية في استخدام الألوان الباردة، كالأسود والبني ليتراءى المشهد بالشكل التجريدي الظاهر على سطح اللوحة، وكأنها حقائب هجرة مرمية بانتظار من يحملها، لينطلق بها نحو العوالم الأكثر اتساعا من مساحة لون أو مساحة لوحة تكتظ فيها الألوان وتتراكم عليها الأشكال.
ألوان وأشكال يظهر من خلالها عمق معاناة اجتماعية مفهومة إيحائياً من خلال التجريد المكثف نفسياً ، فالتماسك في التكوين والبناء والصياغة لا يخلو من قلق محدد الأبعاد لونياً. لأنه ينقسم إلى أجزاء امتزجت مع المستويات الموزعة عشوائياً ، ضمن مساحات ذات بُعد رابع يتميز بسرد تجريدي قوي التعبير . يؤدي إلى خلق رؤية شاعرية حداثوية نتفاعل معها عاطفياً، فكرياً، وبصرياً تمتاز بالوعي الحسي والإدراكي، والتلاحم التجريدي اللامتناهي الذي يختزل المفاهيم الجيومترية، والسيمترية ويضعها ضمن منهج بانورامي يخدم موضوع اللوحة ، ويتلاءم مع ديناميكية كل لون تماهى كوريغرافيا بتوازن مع الخطوط، وتداخلاتها المتشظية انعكاسيا. للتخطي المخيلة الزمان والمكان، وتنطلق مع المعنى نحو آفاق فنية لاحدود لها ، ونحو هجرة أشكال رياضية تراكمت حسياً مع التنظيم الديلكتيكي للألوان الباردة والحارة، والحيادية ليستحث المتلقي على إدراك المعنى، ولمس الواقع من تجريد لوني طغى على الشكل.
dohamol67@gmail.com
Doha El Mol