رؤية عصرية تكشف عن لغة تصويرية تعالج صراع الحضارات
ضحى عبدالرؤوف المل
يمزج " علي حسون" بين الفن الحديث والفن القديم بتقنية رقمية، ورؤية عصرية تكشف عن لغة تصويرية. تعالج صراع الحضارات مظهراً طابعاً جدلياً . تتنوع فيه الأساليب الخطابية ومعانيها المتعددة فنيا من حيث المضمون والأسلوب والشكل الازدواجي، فهو يطبق فكرة الفن الحديث المستوحى من دمج يهدف إلى انبثاق رؤية. تجعلنا نتقاسم فكرة ذهنية تعيد تشكيل الهوية الفنية من خلال تحديث المفاهيم الأكثر ارتباطا بالماضي والحاضر لنتساءل من نحن؟.
حدس فني تصويري تحيط به الرؤية المتأصلة بين اثنين من مفاهيم الفن، وبين اثنين من مفاهيم غربية وعربية، لتسيطر الأحاسيس الجمالية على اللغة التصويرية وطرازها الأسلوبي فنياً ، فهو يجمع الماضي والحاضر في بوتقة حداثة فنية تؤدي إلى إنتاج شيء جديد يعتمد على الماضي ويتأثر به، كما يعتمد على البصر وسرعة التقاط المعنى حسياً. أو بالأحرى ليصور الواقع الحالي للفن بفكر حضاري ومنطق وجداني له ماهياته الخاصة، وذاتيته الحديثة التي تنتمي إلى موجة البوب آرت أو بالأصح art nouveau)) الفن الحديث.
يسيطر " علي حسون" على أبعاد اللوحة بعقلانية، ليخلق تصورات منطقية. تجعلنا نغرق في البحث عن الأدوات الفنية المرتبطة بالقدرة على تشكيل خلفيات تحمل معاني حضارية . خضعت سابقاً لظروف أدّت إلى تواجدها، ووفق معطيات فنية واقعية مجردة من اللون، وكأنها شبحية الوجود تتميز بالانسجام الحسي ، والتماسك الحركي والمدلول المثير روحياً، ليترك المادة الفنية الأساسية لزنجية تنظر للمشهد الإنساني، كأنه عبارة عن خطوط إيحائية. تصور الصراع الذاتي الداخلي للإنسان مع إشارات حركية. تتصف بالطابع الفني الإيمائي أو التمثيلي الكامن في عكس الصورة المشهدية للأسفل ، لتنفرد الصورة الأساسية بوحدانيتها، وكأن المعاناة تقتصر على كل فرد ما زال ينظر لأمجاد الماضي، كأنه الحاضر الذي يطمح إليه، متلاعباً بالصورة الشفافة والصورة الواضحة الشديدة الألوان والقوية الأبعاد ، والصياغة والمحاكاة التمثيلية المشحونة باللون والمعنى، والتباين، والتناغم المتوازن لونياً وموسيقياً . مما يؤثر على النفس والإحساسات السيكولوجية الناتج عنها تحليل المشهد الأمامي والخلفي والارتباط بينهما، لتنكشف الصراعات بداية من الذات وصولا لعمق الواقع وأبعاده والرؤية المرتبطة بالوجود والعدم.
تؤثر الألوان على الانطباعات الموضوعية المنبثقة من المرأة الزنجية، ليُظهر " علي حسون " الاختلافات الواضحة بين الشعوب المتنافرة، والمتآلفة بين الأزمنة والعوالم الموجودة ضمن رؤية واحدة، وحضارة واحدة ما زالت تتصارع على حق وجودها الحياتي ، بديناميكية تشبه الألوان المختلفة في الثوب ، وبالحركة الفراغية في الخلفية المأخوذة من أعمال " تيودور جيريكو " تاركا للرائي تحديد المسافات والقدرة على الفصل بين القديم والجديد، وبين الألوان الباردة والحارة، لنجد العمق الفراغي في الخلفية الموحية بزمن أصبح من الماضي ، وبصراع إنساني تسبب بالموت وبصورة أمامية تشبه منحوتة أو صورة كولاجية. وضعها " علي حسون " على سطح تتباعد فيه الأشكال الحسية والضوء، والظل، وكأنه يمارس خدعة بصرية، لنتساءل أين اللون المفقود المثير للخيال والحس والجمال؟.
انعكاسات ضوئية ملاءمة فنياً ، لصورة لها تأثيرها المادي والمعنوي على الرائي. لأنها تحتوي على عناصر بصرية شديدة التأثير لونياً ، وتتميز بدرجة نقاء متأرجحة . تعتمد على إظهار بعض التفاصيل الجمالية بدرجات متفاوتة من السطوع . محاولا إظهار الكتلة المشبعة بالتوافقات اللونية والتضاد الحركي المتفق مع الخلفية، والقيمة الضوئية المتجانسة مع اللون الأبيض المتلائم فنيا ، والانعكاسات المنبعثة من لون البشرة الأسود والفستان، لتبدو المرأة أقوى وجوداً وحياة من الشخوص في الخلفية الخالية من أي لون حياتي. يدل على حقيقة الصراع بين الحاضر والآن. لأنه يتخطى المألوف بترك المشهد الخلفي مفتوحاً نحو الماضي الحاضر حسياً ووجدانيا بين الخطوط الخالية من اللون، ليفتح الحواس على موسيقى اللون الأحمر والأخضر مقتحماً بذلك المفاهيم والقيم البصرية. بوضع البنية التشكيلية في مشهد تمثيلي إيمائي. تختلط فيه الأزمنة ويعالج من خلاله مفهوماً انسانياً، ليرصد الحدث المحمل بالمؤثرات التشكيلية التي تنطوي على تحولات تركت فراغا فنيا . تباعدت فيه المعاني الناتجة عن الإدراك الحسي، وتلقائية الربط بين الخلفية والأمامية على نحو تلقائي اختزالي سينمائي لا تكرار فيه.
يقول دكتور كمال عيد: " إن حركات التجديد والعصرية هي التي تعيد شباب هذه الصورة وتخلع عليها ألواناً ونسيجاً وأبعاداً وزوايا جديدة بين الحين والحين، تطرد بها عن نفسها الروتينية."
تجديد فني حديث يترجم من خلاله " علي حسون" الخطاب الأيديولوجي للفن الحامل لمفهوم إنساني. يحمل هموم صراع حضارات يحولها إلى لغة عالمية فنية تصورية. تتسم بديناميكية تبحث عن حلول لقضايا الإنسان، والحقوق المنتهكة والحروب المسببة للموت والدمار، وفناء الإنسان بأزمنته وأمكنته ، فيمتنع عن التطور العربي أو الغربي على السواء، فالطابع الإنساني المرافق لأعماله يدعو إلى التفكر بالإنسان، ليتشكل الوعي الفني في الفن الحديث بمختلف أساليبه التعبيرية التي تتميز بمزج المدارس الفنية، وبتجاذب تراثي وحضاري يضم العرب والغرب في حداثة تحمل هوية واحدة تتشكل فكرياً وثقافياً وفنياً، ليحافظ الإنسان على التكافؤ الحضاري الملائم لنسيج الحياة الاجتماعية ، ولنوعية الإنسان بمختلف ألوانه أبيض وأسود ، شرقي وغربي ، لتتجلى الهوية الفنية بمزج تكنيكي حضاري وفني حديث النشوء لا فروق عنصرية فيه وإنما الأساس هو الجمال ورسالة المحبة والسلام.
dohamol67@gmail.com
Doha El Mol
من مجموعة متحف فرحات