ألوان مائية تشد البصر وتخلق تصورات عميقة جماليا

ضحى عبدالرؤوف المل

تتميز ريشة " عاطف عطمة" بواقعية تنطبع في ذاكرة تراثية لها مكنونها الخاص في الأذهان، لتتحول اللوحة إلى مكان ممتلئ بالحياة، فهو يستحضر الزمن الماضي لترتسم التفاصيل بوضوح على الوجوه والأمكنة، فتتجاوز الحواس الصورة ومكوناتها الذاتية التي تعكس الانسجام والتنافر على أمكنة مؤطرة بصرياً، بضوء فيزيائي يتشكل مع اللون ودرجاته ، وحيث الأمكنة الفريدة التي تحتفظ بنكهة الزمان والمكان، وألوان مائية تشد البصر وتخلق تصورات عميقة جماليا. تجعلنا نرى تفاصيل جميلة في أمكنة أحبها وتحمل طابعاً فنياً لبنانياً أصيلا له جذوره وعمقه الاجتماعي.

هوية فنية لها أماكنها الخاصة تروي الأحداث التي ما زال " عاطف طعمة" يحتفظ فيها داخل ذاكرة لم تتجاهل انطباعاتها الفنية ، وما تلتقطه الحواس من الطبيعة وفضاءاتها المتسعة. لألوان شفافة رقيقة ذات طبيعة ساحرة خلابة تبهج النفس، وكأنه يحاول من خلال ريشته تصحيح الفكر ليتجه نحو التأمل والتفكر وشدة الملاحظة، فثنائية اللون المركب المتماسك بدرجاته تترك في النفس إحساساً بلذة بصرية لا تخلو من خيال . يستقر بغموض في عمق تفاصيل اللوحة، فأجزاء الواقع في اللوحة تمنح المتلقي رؤية الماضي أو بالأحرى رؤية أمكنة اشتهرت في بيروت مثل لوحة " مقهى الزجاج" وما تحمله من تراثيات لها إبداعها الفني الخاص.

فضاءات طبيعية مفتوحة بصرياً تتوزع فيها الألوان وتندمج مع الأخضر والأزرق، والألوان القرميدية التي تعالج كل تشويه بصري نراه في المدن المزدحمة والأبنية المكتظة خصوصا، فإن لوحات " عاطف طعمة" تتميز بالتوازن البصري، وبزخم الموتيفات التي تساهم في خلق الضوابط الضوئية المثيرة للحواس التي يمكن الاستدلال بها على معانٍ ممتزجة بالأشكال الطبيعية من بيوت من مآذن ، وقرميد ، وشجر / ومقهى تظهر من خلاله تطورات الرؤية المشهدية الملتقطة حسياً وجمالياً بعين تترجم تفاصيلها ريشة دقيقة في إظهار حركتها.

تكتحل لوحات " عاطف طعمة" بألوان الطبيعة الشفافة ، ويضيف عليها من اللون الأحمر ما يتركه كبصمة خاصة به، وكأن الاحمرار هو ميزة ترافقه في أمكنته تاركاً للخيال مكانه الخاص، في واقعية يبسطها بدقة يتفرع منها بيئة لبنانية طبيعية . تتميز بجمالها وموضوعيتها من حيث التكوين والمفاهيم الفنية المتقنة ، والمنصهرة مع الشكل واللون والمساحة، والمشهد والفضاءات المفتوحة مع الثيمات والأفكار المتنوعة، وما إلى ذلك من تشعبات تعكس الفن على الواقع، ليخرج الخيال من بوتقة الأحاسيس والمشاعر بمستويات لونية. لها فيزيائيتها المائية ونسقها المعينة، مظهرا حتى المناخ والحركة، والظل، والهواء، والضوء الطبيعي، واتجاهات الشمس والعتمة، والأماكن العمرانية كالبيوت القرميدية والجوامع، والتجمعات الشعبية ذات الانتماءات الحضارية المعينة، ليتركنا فجأة مع الطبيعة الصامتة، وصحن الصبر في لوحة ترك للسكين موضعها الخاص، وللون الصبر الأخضر والبرتقالي رمزيته التي تتجلى في المعنى، وفي تباين الألوان والظل والخطوط المتلاصقة والمتباعدة المنسجمة والمتنافرة، ولثلاثية تتناقض فيها المفاهيم بين ممتلئ وفارغ ، وحتى بنقاط سوداء نافرة تجعلك تلمس اللوحة لتتأكد من صمتها بمحاكاتها لمسا وتذوقا بصريا.

مبادئ فنية تعتمد على المحاكاة الحسية، وإثارة الانفعال الاستاطيقي كتعبير خيالي عن واقع جمالي. يتمثل باللون وديناميكية الضوء وصلته بالحقيقة ، والظل بالإيماء الزمني. إذ يبدو كمشهد تصويري له أركانه وتأملاته العميقة فنيا ، من حيث العمق والتفاصيل والحيوية الذهنية المتوافقة مع موسيقى اللوحة، وتسربها إلى الأذهان بسبب وضوح الفكرة والمشهد الفني المرتبط بالمنظور الهندسي المتمثل بالأبعاد، وتحديد الفواصل اللونية واتجاهاتها التكوينية التي لا تخلو من شاعرية تحقق الصفاء، ونقاء الألوان الحارة والباردة، فالعقلانية عند " عاطف طعمة" لا تخلو من عاطفة رومانسية. تبرز من خلال الألوان ورقتها، والمكان وجماله الخاص والطبيعة الخلاقة معتمدا على الذاكرة البصرية ، والحواس والقدرة على دقة الملاحظة في نقل المشهد، وتنظيم أركانه بريشة تختلف مقاييسها الشعرية من حيث التخييل والحركة ، والديناميكية في إظهار التناسب المنسجم مع منطقية التوافق الطبيعي، والشكلي المتكئ على التحليلات المنطقية للمكان وتعليلاته الحدسية. المعتمدة على منطق فني سلس وخلاق، ووفق ما تحققه اللوحة من انجذاب الحواس نحوها ، ونحو الصور الحسّية المتعددة المعاني الجمالية التي تثير النفس وانفعالاتها العاطفية المشبعة بتكنيك ألوان تتجلى منها الرؤية الزمكانية الخاصة.

يسمو الظل في أعمال" عاطف طعمة " فنلاحقه بصرياً، لنستشعر خلفياته وانعكاساته الإبداعية، ومدى علاقته بالضوء المنبعث من اللون الساكن، ومن الشكل والأحجام المنطقية واقعياً ، وكأنه يمارس براعة في التعبير والأداء التصويري، لأماكن طبيعية يؤلف منها الأشكال المتموسقة فنياً ومتناغمة حركياً ، فهو يتلاعب بمستويات التقاطها. ليظهر الظل وهو مقترن بحالة الشمس المحسوسة ضوئياً ، ومن خلال التفتيح والتعتيم والنضارة والحيوية، فالجوهر الواقعي للشكل الطبيعي ينطلق من واقعية تكشف عن اجتماعيات إنسانية عميقة الكوامن الوجودية، ومتمسكة بتقاليد بيروتية قديمة كما في لوحة " مقهى الزجاج فهو يستدعي المخيلة لإظهار تفاصيل الواقع الاجتماعي المتحول إلى جمالية تقنية تتماهى مع مفردات وفضاءات اللوحة ، وملامحها المتواشجة بلون ديالكتيكي ينفرد به " عاطف طعمة" تاركا تضادات اللون تتفاعل مع ذاتية الرؤية وسيماتها الداخلية المتواصلة مع فروع الأشجار ومع التربة والبحر والغيوم والطبيعة الصامتة وكأن الريشة ترقص على إيقاع كلمات أحمد شوقي اذ يقول:"

تلك الطبيعة ُ، قِف بنا يا ساري.............. حتى أُريكَ بديعَ صُنْعِ الباري

الأَرضُ حولك والسماءُ اهتزَّتا.................. لروائع الآياتِ والآثار

من كلّ ناطقة ِ الجلال، كأَنها................... أُمُّ الكتاب على لسان القاري

dohamol67@gmail.com

Doha El Mol