تحرر يثير الدهشة الفنية ويعيدنا إلى طفولة مشحونة بالحركة
ضحى عبدالرؤوف المل
تولد الشخصيات الكرتونية من عمق المخيلة الفنية، القادرة على الإيحاء بالحركة الحياتية التي تساعد حسياً البعض للدخول إلى عوالم غريبة، لكنها مريحة لأنها تحاكي المجتمع بأساليب فنية متعددة.وبخطوط فنية رفيعة وعريضة تمسك بالواقع وتنفر منه ، واحيانا تسخر منه بذكاء يدفع الرائي الى التحليل المنطقي لكل حركة داخل مشهد فني او لوحة تشكيلية تدعو الى تحرر يثير الدهشة الفنية، ويعيدنا إلى طفولة مشحونة بالحركة، لنحيا مع شخصىة " بوجين" في معرض " جان روي فريدي" المؤلف من مشاهد قصصية تروي مغامرة شخصية محببة ، وربما تهدف إلى مشاكسة الحياة، بما هو ملامس لتفاصيلها الجامدة عادة، وما نستطيع أن نتخطاه بالضحكة الهزلية أو اللون أو المساحة الضيقة بصرياً والواسعة ذهنياً، وهذا ما أظهره " جان روي فريدي" من خلال لغة تصويري هزلية أو كاريكاتورية تعالج مواضيع مختلفة محببة للصغار والكبار أو الكوميكس البصري الصامت. لما يثيره من تسلسل اللوحات التي تنتمي لشخصية واحدة هي يوجين الموجود بين الجميع والشبيه بشخصية تستتر إيحائيا وتظهر في لوحات بسيطة ومعقدة فنيا، فهي تبث الفكر الرياضي المتناقض والجمال.
مفهوم فني نقدي مبني على الحركة ودقة الملاحظة ، كنوع من محادثات بصرية تفتح آفاق الحوار الذاتي الذي يسعى إليه " جان روي فريدي" من خلال رسوماته، ومساحاته الضيقة ذات التعابير المتسعة خيالياً، وكأنه يضع الحواس أمام نقاط انتباه تثير البصر، ليعتمد النظر على المقارنات بين الأجزاء الفنية والفواصل المتكررة في اللوحات، وكأن المتلقي في معرض " جان روي فريدي" يمارس لعبة الفوارق، ولكن بلغة فنية تشكيلية تساعد على إشباع الذاكرة بتفاصيل طفولية منسية . ربما يسترجعها المتأمل لأعمال " جان روي فريدي" الفنية، فيشعر بمتعة فنية مشهدية تظهر فيها الحركة مرتبطة بالألوان القوية والخفيفة والشفافة، وتناقضاتها الضوئية متنقلا من لوحة إلى لوحة، ليوقظ فينا لغة حوارية تستند على قوة الحركة واللون ، والمرونة في الفضاءات الضيقة والمتسعة، والفراغات الفاصلة بين حدث وحدث وتناقضات في الأحجام والطول والعرض، والتفاصيل الفنية وإيحاءاتها المضحكة والمبكية والمنطقية في آن معا.
مشاكسات فنية تتمثل في خروجه عن المألوف لونيا ، كالكلب الأخضر، وخطوط الطول والعرض، والنقاط الايهامية الأساسية للبداية والنهاية التي أحكم تنفيذها. تاركا ليوجين سرعة التنقل من موضوع إلى موضوع ، لنكتشف أن " يوجين" ما هو إلا شخصية اجتماعية شبيهة بشخصيات كرتونية مشهورة، لكنها اعتمدت على الحدث بينما اعتمد " جان روي فريدي " على الحركة والاختلافات النسبية في الألوان، وتضادها ليجذب البصر إلى نقطة البداية والنهاية، وفي أغلب اللوحات هي " يوجين" نفسه تاركاً للمكان وغرائبيته التماثل الزمني الحسي، لنتساءل بعدها هل يحيا " يوجين" في كل زمان ومكان . أم أنه شخصية لا اسم لها ، وإنما تحمل ألف علامة تعجب وألف علامة استفهام؟..
ملامح خيالية تصويرية ذات تعبير حركي يساهم في ترجمة الأفكار ، وتسلسلها تطورها والمقروءة بصرياً من خلال حركة الجسد، وقدرة " جان روي فريدي" على بث الجمال الفني ذهنياً، والترابط الفكري بين العناصر والموتيفات المساعدة على إثراء اللوحة، ومنحها ثيمات مساعدة على التخيل المكاني المتأرجح زمنياً، والكافي لرؤية التفاصيل المخفية، والموحية للدعابة الفنية، وكأنها تخرج من ذاكرة اللوحة وتستقر في الوجدان عن طريق الألوان وانعكاساتها البصرية ، كالأحمر، والأخضر ، والأصفر، والأزرق، وحتى تلك المرسومة بالقلم الحبر فقط.
أشكال هزلية لا تحمل في داخلها البعد السردي الواضح. إنما تحتوي في مضمونها اللوني على سرد بصري فكاهي نوعا ما، منضبطاً تشكيلياً وصامتاً لغوياً، لأنه يعتمد على شخصية واحدة في كل المشاهد أو بالأصح في كل اللوحات، وكأنه يسلط الضوء على " يوجين" حركته وتغيراته وأمكنته، وما يرافقه في كل مرة من مكان إلى مكان، وحتى التغيرات في الخطوط والاتجاهات، والأطر الموضوعية الواضحة المعالم فنياً، المنسجمة مع أفكارنا وحوارتنا التي يخلقها في ذهنية الرائي " جان روي فريدي" وبقدرات معرفية وسلوكية نكتشف من خلالها أن " يوجين" ما هو إلا شخص مشاكس ، بسيط الأفكار والأفعال، وقادر على منح المرح في الحياة .
أسلوب فني يختزل من خلاله " جان روي فريدي" شخصية الطفل الخجول أو العاطفي أو العنيد ، ويضع الحواس أمام حقيقة مفاهيم هزلية لا تنتج إلا شخصية حياتية، نراها بكثرة حولنا ، كالشخصيات التراثية المعروفة تاريخياً مثل جحا أو أخوت شاناي. مظهراً السلبيات والإيجابيات والنتائج التي يحصدها " يوجين" في كل مشهد ارتبطت فيه ريشة " جان فريدي" بلغة فنية صامتة تتعلق بالخيال، وتعكس الواقع بوعي نكتشف من خلاله الأكذوبة المضحكة، لواقع إنساني ما يعاني منه "يوجين" ويدفعنا " جان روي فريدي" لاكتشافه هزلياً من خلال لوحات فنية تشكيلية ذات مقاسات صغيرة ومتوسطة، وألوان الأكريليك والحبر وغيرها ، ليمتزج الكاريكاتير مع الكوميكس والرسومات التصويرية في معرض فني صامت غارق بالخيال، وانعكاسات الواقع فيه وفي الحقيقة ما هو إلا مغامرات يوجين والكلب الأخضر.
dohamol@hotmail.com