رؤية شاعرية لها رومانسيتها ولحظتها الحياتية الخلاقة

ضحى عبدالرؤوف المل

تحمل الطبيعة اللبنانية بين جنباتها حساً جمالياً وتراثياً خاصاً. إن من ناحية البيوت القرميدية وألوانها المائلة للإحمرار ، والتي تعانق أشجار الصنوبر والسنديان ، أو من نواحي بيئية مفعمة بالصفاء والنقاء، وهذا ما يجعل الفنان اللبناني يلجأ إليها حاملاً ريشته وأدواته. إلا أن "ماري خوري " حملت الطبيعة إليها، لترسمها بروح أنثوية تحمل ميزة لونية تترك أثارها الجذابة في نفس المتلقي.

تبوح " ماري خوري " بوجدانياتها الانطباعية للقماش تاركة للإلوان ظلالها الشفافة، المشبعة بأبيض يستمد وجوده من رؤية شاعرية لها رومانسيتها ولحظتها الحياتية الخلاقة والنابضة بروح جمالية ، فالأشجار وجذوعها العامودية لم تمنع النظر من التقاط التفاصيل الطبيعية التي ترسمها بدهشة فنانة ممتلئة بالحياة ، فالحيوية في الألوان توقد شرارة المعنى المنسكب في كل حركة جعلتنا نتفاعل مع الطبيعة ، والشخوص الواقعية التي تضعها ضمن لقطة تصويرية منظورة إيمائيا، ومأخوذة من بيئة لبنانية منحت المخيلة الفنية تصوراتها الفنية، المصبوغة بحنين ريفي وبيئة باذخة بالجمال. تترجم من خلالها " ماري خوري " مشاعرها الخيالية انطباعيا وواقعيا ، فهي تمزج بين اشتعالات الألوان الحارة، وسردية الملامح الكلاسيكية بالبساطة والهدوء. لأن ريشتها تواقة لرؤية جمالية متأثرة بالضوء ودرجاته المتباينة، وكأنها تتغنى بلبنان وجماله الطبيعي المتنوع بيئياً وجمالياً.

ألوان لها سحرها وتضادها، ورهافة إحساسها التي غلب عليها التعبير الانطباعي المفعم بمائية لها تكوينها المشهدي، وقدرتها على إظهار التضاد الخاص فنيا، والمميز بتلقائية عفوية قادرة على خلق محاكاة بين الريشة والمتلقي، فعالمها تصويري الرؤية وشاعري الأداء ، وقوي الانعكاسات الضوئية ذات لمعة إيقاعية . أو بالأحرى سطوع موسيقي شديد الخصوصية من حيث إعادة صياغة الواقع برؤية انطباعية لها أمكنتها الزمانية، واشتقاقاتها العاطفية وانثيالاتها الموضوعية. لجمال ترسمه اجتماعيا بفن حسي هادئ ، وكأن اللوحة تحتضن حنينها العابق بالذكريات وبتفاصيل طفولة عكستها على الوجوه القروية، في لوحة لم تخلُ من طبيعة صامتة تعيد لنا الحنين لبيت جدتي أو تلك البيوت التي أصبحت من تراث أزمنة ما زلنا نتمسك بها.

تمارس " ماري خوري" حريتها البصرية على مساحات ضوئية تعشش فيها الروح الفنية المختلفة الرؤى واللمسات، فألوانها الموسيقية الناشطة حسيا والقادرة على خلق التضاد المنسجم، والمنسجم مع التآلف البصري تنطوي على إحساسات نشأت من بصريات منسجمة مع الرؤية ، والخطوط التي نلمح فيها رقة متناهية أبدعت" ماري خوري" في إظهار مؤثراتها الحسية . مثيرة بشكل وجداني خاص. وبذلك تميزت بفلسفة تعتمد على منظور واحد، وأبعاد مستمدة من أمكنة لها تأثيرها السيكولوجي والانطباعي، فالمساحات الإبداعية لها فضاءاتها ومسافاتها التأملية . متجاوزة بذلك الطبيعة وتأثيراتها التي تدعو إلى اكتشاف البيئة اللبنانية، وعوالمها التراثية ومناخاتها الفنية لما لها من تكوينات جمالية ذات ومضات واقعية تلخص كل حدس وحس انطبع في الذهن، وترجمته ريشة فنانة مرهفة الحس أو رسمته الأنامل المحبة للفن والجمال.

لوحات فنية واضحة المشهد والتكوين، فهي تعتمد على الإبهار في المزج اللوني، وفي إظهار تفاصيل تختبىئ خلف الطبيعة الواقعية. محاولة استدراج البصر، لتستفز المتلقي على التنقل في طبيعتها الخاصة،وليكتشف الألوان وانفعالاتها الممزوجة بعاطفة متوائمة مع اللحظة الإبداعية وإحساساتها، المسكونة بالحياة الوجدانية الغارقة بمقاييس فنية. تتميز حسياً بكتل لها أبعادها وتشكيلاتها المضمونيه والأسلوبية المتلاحمة ، ومؤثرة جمالياً على الصيغة الخطابية لكل لون وحركة، وفراغ، ومنظور، ورؤية لها أبعادها الضوئية من الظل والحركة ، ودرجة التعتيم والتفتيح ، فماري جمعت بمزاجية انطباعية بين الرؤى الفنية الواحدة من حيث الطبيعة الصامتة، والمفردات ودلالاتها من حيث التكوين والاختزال والقيمة الفنية.

أسلوب فني هادئ وظفته بموضوعية . تبرز من خلالها وجدانية تحمل الكثير من المعاني الشاعرية، والتشكيلية المنبثقة من فكر إبداعي. يفصح عن وعي يحمل رسالة إنسانية ذات إحساس فني، يتصف بمنهجية لونية تؤثر على يقظة الحواس الزاخرة بتوهجات أحاسيس حميمة. نراها في اللون الأحمر الجلناري، والأخضر بدرجاته الغامقة والفاتحة ، والأزرق السماوي أما الأبيض فله وقفاته الموسيقية الخاصة التي تدعو إلى التأمل والهدوء.

يقول توفيق الحكيم:" إنما المنطق الداخلي للأشياء ، هو كل الجمال الحقيقي." تبحث " ماري خوري" بمنطق وجودي حالم عن طبيعة لها . تضعها داخل كل مشهد ترسمه في أمكنة تحبها وتفتقدها، فالطبيعة الصامتة والأجواء الريفية ، لا تخلو من جلسة بيت عتيق أو أشجار تصاعدية . خاضعة لتدرجات كثفتها لونياً ، وتركت للموتيفات تميزاً خاصا، وللفواصل امتلاءاتها بالحركة الضوئية والظل، وكأنها تؤلف من الألوان ما يجعلها تنقل أحاسيسها بوعي فكري له انطباعاته الحيوية، وإسقاطاته الضوئية لنتأثر بصرياً بالمشهد الفني في كل لوحة رسمتها " ماري خوري" بجرأة لونية حملت مفاهيم تشكيلية جعلتنا نتفاعل مع كل ركن وبيت، وحديقة، وأزهار، أو سلة ربطتها على جذع شجرة منسية، ليتحرك البصر مع كل خط لوني حمل من التضاد ما ترك المخيلة مفتوحة نحو كل الاتجاهات التخيلية الباحثة عن الجمال.

dohamol67@gmail.com

Doha El Mol