جمالية وجدانية ذات مقاييس إبداعية مريحة بصريا
ضحى عبدالرؤوف المل
إرهاصات فنية يبثها " خالد التكريتي " Artist Khaled Takreti لريشة ناقدة لأوضاع اجتماعية وسياسية . يصورها بتقنية ذات أبعاد جمالية تثير في النفس تعاطفا مع لوحات نغوص في أعماقها برمزية تعبيرية . تنقل الواقع ونقرأ من خلالها ما خلف الصورة ، والإيحاء الحركي لكل كتلة أراد إظهارها مشهديا، وكأنه يكتب نصا تعبيرياً حافلا بشخوص لا تخلو من سريالية، ليجمع بذلك بين أساليب متعددة فنياً، ويضعها في فن معاصر. يعالج من خلاله الوضع الاجتماعي والسياسي بلغة جمالية . تعصف بالحواس وتحثها على الاكتشاف ، لاستخراج الفكرة من الرؤية لننطلق معه إلى داخل لوحاته الصاخبة بمواضيع ساخنة. توحي بالغموض أحياناً وبالوضوح حينا آخر، لنصل إلى الهدف الحقيقي في رسوماته. إلا وهو تنمية فكرة النقد الاجتماعي والسياسي من خلال لوحة رمزية كاريكاتورية ربما ، ولكنها تحمل مواصفات الفن التشكيلي لوناً وبعداً، ومساحة، وضوءاً ، وظلاً وجمالاً رمزياً . يقترن بتعبير لوني باهت. لكنه قادر على جعل الذهن يتلقى المعنى من المضمون والأسلوب ، ومنح الحواس جمالية وجدانية ذات مقاييس إبداعية مريحة بصريا.
توترات حسية يتركها " خالد التكريتي " خافية ليحقق انطباعاً فنياً يحاكي به وحدة العناصر الفنية، المتماسكة جمالياً وفنياً ، فالصياغة اللونية مجردة من تدرجات ضوئية ، ونفحة سردية نفهم من خلالها مفاهيم " خالد التكريتي" الفنية المعاصرة القائمة على إثارة الاستكشاف، للغة متوترة فلسفياً، ومقهورة اجتماعياً ومحسوسة فنياً، فالأنماط الإنسانية يتركها غالباً ملفوفة بالغموض أو السخرية، ليؤكد على آرائه الموحية بالواقع الموجع والرؤية الفنية الناقدة التي يشعر بها، ويترجمها بمشهد تشكيلي يطرح من خلاله رؤية جوهرية . تدفعنا للتفاعل التحليلي، فنتساءل معه في لوحة ترك فيها الخطوط العامودية مجهولة البداية والنهاية ، والوجوه واضحة ومستترة، والفراغات متوازنة لنتعاطف مع السمات البارزة على سطوح اللوحة لنقول مع " خالد التكريتي "أطفال سوريا إلى أين؟.
لا يتكلف " خالد التكريتي " في إظهار الواقع إنما يستعمل السريالية ذات المعاني الدلالية، والوجوه المغايرة لنفهم السلبية التي نعايشها في ظل ظروف دفعته للرسم، ولخلق شخوص درامية تغلب عليها وقع أحداث تمنعنا من التفكير، وتبعدنا عن التحليل لنستسلم بضعف، كسمكة لا تريد الخروج من الماء أو حتى اكتشاف العوالم الأخرى خوفا من الموت، كما في لوحة " أنا أفكر" لنتأمل لوحاته، وكأننا نقرأ قصة قوية الحبكة ومتينة العقدة، فبؤرة الصراع الحركي تتجمد عند نقطة معينة، بلحظة نلمس فيها الواقع السريالي الذي نعيش فيه بسلبية ترتبط بكل حدث زمني أوحى له " خالد التكريتي" ورسمته ريشة تبحث عن الحرية الفكرية، والتعبيرية التي تقود الإنسان للاستمتاع بالحياة، والتماهي داخل الجماليات الحسية والإيحاءات الفنية المتراكمة من حولنا.
تصاميم فنية تتسق ملامحها مع الأبعاد الفنية المعاصرة التي تمثل جملة من الخطوط والأشكال والأحجام ، لتتشابك العوالم الفنية ببعضها البعض، وتشكل الملامح التي تعتمد على تفكيك الشكل الخارجي. لنصل إلى المفهوم بعمق سردي يقترب من الخبر أو رواية حدث ما. كرسومات أطفال نبحث فيها عن المسارات النفسية لكل خط أو لون أو حركة ، فنسعى إلى ترجمة فنية تنقلنا بسلاسة إلى داخل المشهد الصامت الذي يعتمد على الرموز والإيحاء الحيوي والفني، والمتكافئ مع الفواصل التعبيرية داخل كل لوحة منظوريه الوحدات، وسيمائية التصوير وإبداعية في المزج بين الفكرة الفنية المعاصرة، والتشكيل الصوري الدلالي رؤيوياً وأسلوبياً ولونياً.
لغة فنية تكنيكية مزج فيها الوقائع النقدية المنصهرة فنيا داخل مجتمعات تعاني من التسلط والحرمان والقمع. لحريات مضغوطة فكريا وممنوعة فنيا. لنشعر أن كليلة ودمنة هي زمنية تتجدد في كل اللغات، لتتطابق الأزمنة والأمكنة وتسكن على ورق أو أقمشة . ينحسر فيها الحدث ويختفي اللون ، وكأن اللوحة هي من ألبوم زمني تبوح بأسرار مجتمعات نرى فيها المعاناة بأسلوب فني تشكيلي. يمتلك " خالد التكريتي " كل أدواته الحكائية وتوتراته الداخلية، والحوارت الذاتية التي تندرج تحت مسمى النقد الاجتماعي البناء، والرمزي الكامن تحت أقنعة لوجوه حيوانية تمثل كلا منها الرمز الحيوي الواضح المعنى. إذ يعتمد على دلالية السياق الفني والحس الخيالي والوجداني.
افتراضات تخيلية مفتوحة حسيا ، ومغطاة بظلال ايهامية ترافق شخوصه التي تلتحم بالبنية الهندسية، والتدرجات الضوئية وفق انعكاسات تلقي بظلالها على الفراغات المتوازنة . ليختزل السكون والضجيج بحركة لها أبعادها المؤثرة بصرياً، والمتعلقة بالتجانس والتضاد لتظهر اللوحة، وكأنها قصة مقروءة . تضبط المفهوم والرؤية وتفتح المخيلة نحو القوة والضعف، لتقودها نحو حوارات داخلية وخارجية. تتماهى مع الحركة الدرامية لكل لوحة ينبثق منها نبرة تهكمية تبرز من خلال التناقض في الأحجام، وقياسات الخطوط التي تنحرف أحيانا عن مساراتها، لتشكل موضوعات فنية بحتة لها فضاءاتها وأبعادها الموضوعية التي ترصد الأحداث ، وتنقلها تصويرياً، فنستحضر ذهنياً مشهديات مألوفة تمتزج سينوغرافيا داخل اللوحة ومكوناتها الفنية الغارقة بالامتعاضات الساخرة الرافضة للخنوع والتسليم.
dohamol67@gmail.com
Doha El Mol