معاني إنسانية ولغة فنية تشكيلية بصياغة إبداعية
ضحى عبدالرؤوف المل
تتناحر الحضارات والتمزق واحد، وكأن التاريخ يعيد نفسه في كل مرة نرى فيها الأحداث المأساوية تتجدد ، فهل من شيء ما تغير، والتمزق النسيجي للأجساد يشبه الأقمشة التي تحتاج لإبرة تعيد تلاحمها وتظهر جمالية البناء الحقيقي لكل شىء يحتاج لتغير من الداخل قبل الخارج وللمعنى قبل الأسلوب؟..هذا ما أرادت " هبة العقاد" إظهاره من خلال معرضها، وما يحمله من معانٍ إنسانية، ولغة فنية تشكيلية بصياغة إبداعية تنوعت فيه الأساليب الفنية بين رسم وكولاج، وخيط وإبرة وأقمشة ملونة جعلتنا نرى من خلالها أوجاع الإنسان والذاكرة، والتاريخ وجراح الوطن العربي الممزوجة بورق جرائد وقصاصات من هنا وهناك.
ألوان زاهية تفرشها على أقمشة أو على ورق جرائد أو حتى من خلال أكسسورات تزين بها ما يجعل البصر يتحد مع الحواس. ليستكشف مشغولاتها الإبداعية، وما تحتوي من عناصر فنية. تدعو للتأمل ربما ليلتئم جرح الزمن واغتيالات الإنسان المتكررة من خلال لغة فنية. تمتلك تصوراتها الحضارية لجمالية الإنسان، وما يمتلكه من قدرات تنبع من قوة الأمل بالحياة ، ومن الإصرار على الكلام بصياغة لا تحمل الحروف الأبجدية. إنما تحمل الخيط والإبرة، وريشة وبعض الألوان الحارة والباردة أو حتى المعاجين الخاصة، لكولاج يمنح النفس متعة تزيل منها الشوائب والانتهاكات التي تصيب الإنسان.
مزيج من ميكس ميديا وتركيب لوحدات فنية تحمل أفكاراً إبداعية ، وأفراحا طفولية تدخل العمق النفسي، ليستمتع الرائي بالحركة البهلوانية داخل أعمالها ، كوجه يشبه وجه المهرج والأطفال التي تلعب بالبالونات، فهي تمزج الأخبار الحياتية من خلال قصاصات جرائد اختارتها بدقة، لتظهر معانٍ خاصة تؤرشفها الذاكرة الفنية في لوحاتها بأسلوب كولاجي له حرفيته ، ورؤيته، وصياغته، ولغته اللونية أيضاً . فانصهارات الألوان مع الأوراق والاكسسورات لا تخلو من تشكيل على قماش ونسب هندسية مدروسة في توزيعاتها، لأن أغلب الموتيفات في لوحاتها تحيط بها الفراغات كما أنها لا تخلو من رمزية للكثير من الذكريات التي تعيد نفسها تاريخياً وزمنياً ومكانياً.
خصوصية تأثيرية تعتمد على تراكمات الخطوط والصور ، وعلى الألوان الفاتحة. أو بالأحرى ذات الأمواج القصيرة المتعلقة بتفاعلات أسلوبية تتماهى مع الحركة الحسية، والإيقاع اللوني الحار المتناغم مع وجوه ملونة مطرزة بألوان تركيبية متعددة ، وكأنها توحي بخبرات الحياة الإنسانية، فالألوان الحمراء التي تسيل أحيانا من أشكال وأنماط غطتها بضبابية مكثفة ، وكأنها تخفي الصراعات الإنسانية التي تسبب تشوهات اجتماعية، ونفسية مع ما تحمله كل لوحة من مفاهيم تشكيلية. تثير الحواس وتملأ الوجدان بجمال حسي إدراكي وإبداعي له مقوماته الأساسية، وكأن كل لوحة هي جدارية تحمل بصمة غرافيكية إنسانية تهدف إلى بث رسالة للعالم. تترك من خلالها بصمتها كفنانة تحمل بصمة حاضرة وأخرى مجهولة الزمن، فالمربعات والمستطيلات والدوائر الهندسية تتميز بتجريداتها، ومعالمها الزمنية رغم أنها طرزتها بزركشة لها أبعادها الوجودية كالوجوه الملطخة بكولاجات مختلفة. زادت من قيمتها الجمالية. فأعمالها تفتخ آفاق الذاكرة الطفولية، وتعصف بذهن يتساءل متى تنتهي الصراعات الإنسانية ، وتحيا الطفولة في إشراقة حياتية بأمن وسلام.
مزج تجريدي مثل لوحة (portrait) ولوحة( birut) فالرؤية تشير برمزية إلى تشابه الأزمنة، والمسار الحياتي الذي يحتاج إلى تغيرات تواكب سرعة زمن بطئ في لوحاتها، فأمكنتها تجعلنا نرى بعض الأسماء التي ما زالت تحتفظ بهويتها الوطنية، والإنسانية رغم ما تحتاجه من لمسة حضارية تعيد لها أمجاد حضارات اندثرت ، ولكن نحمل تفاصيلها في جعبة ذاكرة لها جمالها وقيمتها الفنية. مما يسبب المتعة والانجذاب عند المتلقي.
إن العمل الإبداعي في معرض" هبة العقاد" " ما من شيء تغير" هو تعبير عن حالات إنسانية مشتتة زمنياً، لكنها مترابطة حسياً من حيث الحزن والفرح، والشكل ، واللون، والتجانس، والحقائق المتكررة في أحداث مأساوية. نشأ عنها رؤية فنية ذات دلالات شمولية تاريخياً ، وتتجدد في كل زمان ومكان. أرادت هبة أن تخبرنا عنها بوسائلها الإبداعية المختلفة، ليتسنى للمتذوق الاستمتاع بالشكل الفني ، وفهم المضمون الزمني الناجم عن التكرار في صراع حضارات تتسبب بالكثير من الخلل في حركة التغيير المطلوبة في العالم.
أعمال إبداعية ترتبط برؤية فنية تشكيلية ذات نفحة جمالية. تتعلق بمفهوم الزمان والمكان ، والحركة الضوئية أو الفراغية التي تشد البصر ، وتجعله يبحث عن الرمز والإيحاء داخل كل وجه أو عند أي طفل أو عن أي إشارة تصويرية. نكتشف من خلالها المقدرة الفنية الإبداعية التي تمتلكها " هبة العقاد" ، وتظهرها بمضمون جمالي واتجاهات لونية متماسكة من حيث التضاد في الألوان، والفضاءات التعبيرية المفتوحة نحو لغة نقدية لأوضاع سياسية أو اجتماعية، ولكنها ضائعة وتسبب بانتهاكات لحقوق الطفل أو لحقوق الإنسان بشكل عام، وهذا ما جعلتنا " هبة العقاد" نشعر به في معرضها" ما من شىء تغير".
صياغة فنية خاصة بأسلوبها ومضمونها والمواد المختلفة المستعملة، فالتنوع في الأسلوب والرؤية يفتح علاقة جدلية بين شخوصها ، والمتلقي دون أن تنسى " هبة العقاد" التوازن البصري في أعمال يدوية تجمع فيها بين الكتلة والفراغ، والمساحة ، وانسيابية الخطوط حتى داخل الوجه الواحد. بوصفه حالة إنسانية تعاني من البؤس والتشرد أو من معاناة تسببت فيها حروب ترجمتها " هبة العقاد" بواسطة ريشة ولون ، وورقة وإبرة وخيط.
dohamol67@gmail.com
Doha El Mol