رؤى فنية مجبولة بتوظيفات تشكيلية لها فسيولوجيتها الخاصة

ضحى عبدالرؤوف المل

يستنطق " محمد السعدون" بشكل أساسي الألوان الطاغية والمتوازنة داخل المساحات التشكيلية، متجاوزاً الفضاءات المتخيلة. لنلمس الواقع التعبيري رغم التجريد المحفز للانفعالات الشاعرية، المحيطة بالعناصر اللونية الباردة والحارة ، الزاخرة بالألوان الأساسية والمركبة التي تحاكي الحواس، وتخاطب الوجدان. مما يمنح المتلقي قدرة على التفاعل مع اللوحات وعشوائبتها المائلة إلى التعتيق، وكأنه يبث الحنين في روح اللون، ليجعل منه لغة تخاطبية تشتمل على رؤى فنية مجبولة بتوظيفات تشكيلية لها فسيولوجيتها الخاصة ، والنابضة بتموجات عالية ومنخفضة عشوائياً ومنطقياً، تاركاً للعين القدرة على تمييز الخطوط ورسم حدودها، وأبعادها اللاشعورية المرهفة حسياً من حيث الاستقراء المشهدي المبني على انتهاكات الحروب المقروءة من خلال ظهور اللون الأحمر داخل الألوان الداكنة ، المتضمنة رمزية الحروب التي يستذكرها في لوحات منفصلة عن السكون، لأنها تضج بالحزن والألم.

في استراحاته البيضاء الصامتة إذ يدهشنا " محمد السعدون " بلون معتق، كأنه مأخوذ من بيوت مهجورة، ليؤسس بذلك لغة نقدية يوجهها للمجتمعات الإنسانية التي تنادي بحقوق الإنسان، فالبؤس المشهدي في لوحاته الفنية يحمل رسالة مستقلة ، يحاور من خلالها الفكر العربي بمؤثرات بصرية . تعتمد على لغة اللون وتعبيراته المتناقضة، والمتوائمة مع الخطوط والفراغات، والأشكال المتصارعة فيما بينها والمزدوجة المعايير من حيث التكثيف والاختزال، وكأنه يمارس التأويلات الصامتة بين الرمزية والتعبيرية، ليمنح لوحاته جمالية تحمل صفة تجريدية انعكاسية لها تعبيراتها ودلالاتها الرمزية ، فالكتب المغلولة على كرسي خشبي قديم تكشف عن سخرية مبطنة استعرضها إيحائياً. لنشعر أن أمة إقرأ تهتم بثقافة كرسي تحاول ممارسة المنع في حق المقروءات الفنية، وكأنه يتساءل إلى متى سنحيا بلا فكر متحرر من القيود التي تكبل الإنسانية برمتها؟.

تقنيات إبداعية مارسها على بقايا الأبواب، والكتب، والكراسي، والأقمشة من خلال أسلوب زمني مجازي تفاعلي. يهدف من خلاله إلى تحقيق فكرته الصارخة بالقيود التي يدعونا إلى تأملها ، بتحرر فني انطباعي مؤثر على الحدس. لتظهر المأساة الاجتماعية والسياسية، وحتى الفكرية ملونة بمفهوم مضموني انعكس على بنية الأشكال ، والأحجام، والفراغات، والأبعاد الزمانية المجهولة المكان، وكأنه يجمع رؤاه الفنية في أعمال تترجم أحاسيسه، ومخاوفه العربية من التشتت والانهزام أو الرضى بالحروب التي تجعلنا ننزف حتى الرمق الأخير فكرياً اجتماعياً وسياسياً وفنياً.

تختلف لغة " محمد السعدون " في تأويلاتها ودلالاتها من حيث تحويل الألوان إلى موجات طويلة وقصيرة، تتنازعها الإيقاعات الساكنة المرتبطة بالألوان الأساسية، والعلاقات الجدلية المتبادلة بين الشكل والمضمون، والأسلوب ومستويات التكوين التشكيلي . باعتبارها الأسس التي تتضمن الوقفات اللونية ، كالأبيض وتحديد خط الزمن، وخط المكان في لوحته الداكنة المليئة بالإشارات الحمراء، وكأنها حروب العراق أو أي حرب وقعت في أي بقعة مكانية لم ينحصر الزمان فيها بالماضي أو بالحاضر. إلا أنها ربما ستكون أيضاً في مستقبل الشعوب التي تتجه فكرياً نحو فكرة الصراع الأزلي، فالتجانس في الوحدة الفنية مرتبط بالالتزامات الرؤيوية ، لقدرة اللون على سرد المخاوف، وعلى إظهار معالم الشكل في المشهد الدرامي ، أو من الأجزاء المقتطعة من البيئة كالأبواب والكراسي والكتب .

أيديولوجيات شكلانية تتكامل من خلالها الصورة الذهنية التي يريد إيصالها " محمد السعدون " إلى العالم . محدداً ماهية الصورة، وعناصرها الحسية المؤلفة من نغمات تجريدية تتصل تعبيرياً بالمعنى اللوني، وتداخلاته المتنوعة بصرياً، والمتباينة في صراعاتها مع الكتل الفراغية ، والتوزيع الضوئي لكل لون مؤثر يخدم الفكرة والرؤية وإخراج اللوحة بشكل عام.

يعتمد " محمد السعدون" في أعماله على المحاكاة الدينامية الناتجة عن الانعكاسات اللونية المؤثرة على الفكرة والمضمون. لتظهر اللوحة وكأنها تجريد تعبيري نستجيب له نفسياً ، فنتعاطف معه بعقلانية تتمثل بالأبعاد الجمالية ، والرمزية التي تؤكد على القيم الإنسانية ، المرتبطة بالمضامين التشكيلية التي تأنس بها الحواس والوعي الفني. لأن النظم التجريدية في أكثر من لوحة تحقق بشكل درامي الانفعالات العاطفية المتوازنة سايكولوجيا مع المرتكزات النفسية المهيمنة على الألوان الغامقة والطول الموجي للأحمر الأرجواني في لوحة توحي بالحروب المتواصلة التي لا تنتهي.

من المؤكد أن " محمد السعدون" استطاع بجرأة تأليف أعماله الإبداعية والفنية، بمزاجية توافقت معها العناصر التشكيلية بانوراميا ( الخط ، الكتلة اللون ، الفراغ ، الملمس) والأفكار الضمنية لحركة اللون التي تعكس البيئة الاجتماعية والسياسية، والفكرية المتناحرة مع بعضها البعض، لتحقيق الثنائية الحسية والعقلية المتناقضة مع فكرتي الحرب والسلام ، وبصدق فني تمثل فيه الواقعية فكرة تجريدية ازدواجية صدرت من خواطر وأفكار تعاني من صور الحروب المتكررة في مخيلة انتفضت على الواقع، وتركته تجريدياً من حيث التعبيرات الداخلية التي تميل إلى تصوير بقايا أبواب لمسها إبداعيا برمزية صاغ منها فلسفته الفنية الإبداعية ، القادرة على خلق سيميائيات لها دلالاتها الخاصة من حيث قراءة اللون والحركة والخط في أعمال تجسد تراثيات وجدانية لها نفحة عراقية عربية، ورؤية فردية تتشابه فيها المفاهيم التجريدية والواقعية ، لفكرة المعاناة الإنسانية المترجمة فنيا من خلال اللوحة واتساع فضاءاتها التشكيلية.

dohamol67@gmail.com

Doha El Mol