مشاغبات فنية متمردة على الواقع والتجريد.
ضحى عبدالرؤوف المل
يتمرد " سمعان خوام " على الواقع حين يمارس السلطة على البنية اللونية الداكنة أو على الأشكال البسيطة، ليجعل من تعقيدها علامات تعجب تبعث على تساؤلات فنية تعصف بالوجدان، وتوضح علاقة الخط الرفيع المتعرج القلق باللون الشفاف، والممزوج بتوترات داخلية، يحولها خوام إلى صراعات فنية تترجم العمق السريالي المنبعث من تصوراته ومخاوفه، وهواجسه الحياتية التي تحاصر الإنسان المعاصر، وتجعله مأسوراً لتقنيات تمنع عنه الحرية. لذلك هو يتحرر أسلوبياً ومضمونياً من خلال مشاغبات فنية متمردة على الواقع والتجريد، بل وتلامس بسريالية بعض التفاصيل الفنية المثيرة للغرابة مثل الأشكال الفنية البسيطة والمختزلة التي ترمز إلى معانٍ متألمة، وتحتاج للتحرر والتوسع والانطلاق.
تنغمس الألوان بالغموض الباطني، لفكرة مستترة داخل مضمون تأويلي إذ يتلاعب" سمعان خوام" برمزيات بصرية تنبثق عن دراما إنسانية، لا تخلو من انتقاد اجتماعي ذي مدلول نفسي. يكشف عن عمق حسي إبداعي يظهر من خلال الخط واللون، والاختزالات المبهمة غير المبررة أحيانا لأن ماهية الشكل عند" سمعان خوام" مرتبطة بالفكرة الفنية الكامنة في توزيع الفراغات الضوئية، المؤثرة على التنافر والتناغم اللوني المستمد من تجريد الواقع والتفوق عليه خياليا . فالتوليفات البصرية في أعمال " سمعان خوام" تتضمن أبعاداً وظيفية يحقق من خلالها أهدافه التي يسعى إلى إيصالها للمتلقي مع المحافظة على بث تأثيرات انفعالية تنطوي على خصائص نقدية اجتماعية وإنسانية.
يسعى " سمعان خوام " إلى تحوير الشكل للاستدلال من خلاله على المفاهيم السلوكية التي ينتقدها بتهكمات تتكون من مفردات فنية، تنفر منها الحواس أحيانا رغم جمالية الشكل واللون، وتنوعات الخطوط بين سميك، ورفيع، وعريض، وشفاف فقد سلط رؤيته الفنية على فكرة تجمع رسوماته كلها تحت عنوان واحد هو التنافر الجوهري في المجتمعات التقليدية، فلوحات خوام تجعلك تقرأ معرضه، وكأن كتاباً مصوراً بين يديك، وتستمع بتفاصيله الدرامية الأنيقة والشاعرية الألق التي تأخذك نحو قصائد بودلير" أفكرُ في كل مَن فقد ما لا يُستعاد . أفكرُ في اليتامى الضعاف الذابلين كالزهور. في البحارة المنسيين في جزيرة. في الأسرى في المنهزمين والآخرين. وربما لوردة " سمعان خوام" ألف وجه وقصيدة؟.
تتوالد شخوص " سمعان خوام " من ذاتية تنبض بالحياة الواقعية المغلقة على الأفكار المحصورة داخل ملامح غائرة ، مخفية أو ظاهرة. إلا أنها تعاني من قهر وأوجاع، وربما مبطنة بنزعة تشاؤمية تركها تتصف بتجريد لوني متناقض ، لكنه مفعم برهافة فنية وعاطفة شاعرية تكمن في تعبيرات الوجوه المؤسلبة الموشاة بتعتيم تتماوج فيه التفاصيل ، والمعاني المتلاشية بين الفراغات بحيث يترك للشكل أن يتوسط المساحة، وكأنه يسلط الضوء المسرحي على شخصياته المتنوعة بتنوعات الأفكار، والمفاهيم الحياتية والفنية المختلفة.
ما بين شدة الخيال والموضوعية الواقعية خبط سريالي أمسك به " سمعان خوام" وتركه يتخبط بين التجريد والغموض من حيث معالجة الفكرة تصويريا ، متخذا من الأبعاد سلسلة ترتبط ببعضها البعض. هذا ما تشعر به في معرض" سمعان خوام " الموحي بالانتقاد الذاتي منطلقا من الجزء للكل مع المحافظة على خاصية تبقي الصورة وكأنها خرجت من اللاوعي إلى الوجود اللاعقلاني باستعمال المؤثرات الضوئية واللونية ( التعتيم ، والتفتيح) ، والظل المتناسب مع الشكل العام ، فالفوارق الظاهرة بين لوحة ولوحة تجمعها الإضافات الرمزية والانطباعية المؤثرة على الحواس الإدراكية عند المتلقي .
دأب خوام على خلق شخصيات تكاد لا تفارقها ذهنيا. لأن لكل منها قصة قصيرة أو حكاية خرجت من واقعية متشوهة، أو من كوابيس نفسية تنفصل عن الحقيقة التي ينتقدها بقدرة فنية تعالج المواضيع الاجتماعية أو السياسية أو الفنية أو الجمالية. إلا أنها ذات أنماط متقنة سينوغرافيا، والتي تتضمن نوعاً من الفوضى المدروسة، والملتزمة أكاديميا بالخطوط والاتجاهات، والقياسات الرشيقة حسابيا التي تبدو كعوالم ضيقة يعيش فيها شخوصه المتنافرة من بعضها البعض، والمرتبطة بالأنا والقدرة على تحقيق الهدف الفني من منظور تهكمي. تتقاطع فيه الواقعية ، والتجريدية والسريالية وفق انطباعات متساوية بصرياً تدركها الحواس والمخيلة .
مشاهد بصرية تحيط بجزء كبير من لوحات تتكئ على فضاءات تتوازن فيها الأبعاد ، كنقطة تجمع الكل بالجزء ، وكأن الرؤية عند" سمعان خوام " هي وهمية الوجود، وشديدة الارتباط بدراما الآلام التي تكشف عن المعاناة الإنسانية في محاولة تعبيرية عن هموم ذاتية تترجمها الألوان الداكنة، والتفاصيل الباردة التي تنم عن حركة حيوية ، لكنها صارمة وشديدة الإحساس بالإنسان والمكان والزمان، والتجدد الانتمائي المبني على التوسط والاتزان في الكتلة ، وأبعادها، والإضاءة، والظل، والتعتيم ، والتفتيح والتجسيد الفني التماثلي المفصل تفصيلاً ازدواجيا ، يحاور من خلاله أنا، وأنت ، وهو، وهم، وكل الذين تراهم في لوحات" سمعان خوام " ، وتشعر أنهم من المحيط البيئي الذي نعيش فيه بل من عالم سمعان خوام المغلق حياتياً والمفتوح فنياً ، وكأنه يطلق استنكاراته من خلال أفواه شخوصه التجريدية ، والواقعية بسريالية إيحائية متشظية ومتنافرة مضمونياً أسلوبيا.
dohamol67@gmail.com
Doha El Mol