أساسات بنائية تجعل من اللوحة نافذة مفتوحة لذكريات عائلية
ضحى عبدالرؤوف المل
تنتج تغصنات " رائد ياسين " زخرفة أرابيسكية قادرة على صنع أساسات بنائية تجعل من اللوحة نافذة مفتوحة ، لذكريات عائلية نعيش أغلب تفاصيلها وفق سنن وقوانين تتشابه في لحظات حميمية وعاطفية وطفولية ، وما إلى ذلك من تفاصيل فتح المخيلة عليها، وكأنه ينقل صورة ذاكرة تعشش فيها آلاف الخلايا المسببة لتشكيل الصور الذهنية التي تتنشط في لحظات ما ، وتعيدنا إلى الأجواء العائلية أو الأجواء المتناقضة بين الفرح والحزن. إذ يترك للزركشات الواضحة مصطلحات فنية. تنبعث من تداخلات نفسية تبرز كأطر مفتوحة الأبعاد. ترتبط جمالياً بالحس المعنوي، فهو يحاول تشكيل المشاعر وانفعالات الذاكرة في لحظات استرجاع الماضي، الزاخر بشتى الألوان والأبجديات التي تركها " رائد ياسين تؤسس لمرحلة نهضوية محملة بفن رقمي حديث يتجه التشكيل فيه نحو أساليب متعددة.
ينسج " رائد ياسين" رؤياه على الأقمشة مترجماً لغته التركيبية إلى معانٍ دافئة ، وهو ذو نظرة اجتماعية تعتمد على الذاكرة الاجتماعية، والعناية بتمازج الألوان الفاتحة مع الخلفيات المزخرفة التي تعتمد على حاسة الاستبصار، والصفات التفكيكية التي تعتمد على صور واقعية دمجها مع تجريد خطوط. تظهر في تشابكها الأساليب التي تقترب من الزخرفة الصينية أو الشرقية التي تمنح البصر جمالية تقود الخيال نحو الداخل ، لتجعله ضمن المعنى، ومرتبطاً بالأسلوب الواقعي المعتمد على الأفكار الإبداعية، والقدرة الفذة على خلق تكوينات تعتمد على تركيب اللون وانسجامه، وتناغمه مع الكتل التي تركها تتوسط اللوحة ، وكأنه يحاول جعل لكل كتلة بؤرة بصرية تتجه إليها الأنظار، ليدل على المعنى تاركا للأسلوب تطوراته الحركية، النابعة من نظرة تمتلك عوالمها المتسعة من تنظيم الجزئيات الفنية داخل لوحة يمثل كل جزء فيها نوعا من مفهوم فني إبداعي قد لا تجد فيه صفة الفن التشكيلي التقليدي . إنما هو فن رقمي متماسك من حيث الخلفية والأمامية ، ليؤطر الفكرة ويتركها وليدة وجدان ينبعث من ذكريات عائلية حميمة .
غوامق مع فواتح يثيرها في تركيب الألوان المركبة، ليخلق دهشة تستفيق من خلالها الحواس التي تتابع تفاصيل لوحاته، بغرابة تضعنا أمام المعنى والمضمون وتبعدنا هندسيا عن المفاهيم الجيومترية التي تعصف بالذهن. محملا لوحاته مفاهيم النقطة البصرية، وارتكازها على الصورة المملوءة بالحركة، والتي تلعب دورا مهما في تشكيل بصري يقودنا نحو الشخصية الرئيسية في كل لوحة تتجه مفاهيمها نحو إحداث ثورة في الفكرة واللون، والمساحة والضوء بحيث تنتج تصويراتها خصوبة تترجم المحتوى للمتلقي، وكأنه يروي ذكرياته الحياتية في مذكرات تصويرية أو صنع الألبومات العائلية المملوءة بالعاطفة ، والسرد ، والحركة، والضوء، فنشعر بالحنين إلى الطفولة التي تركناها في جزء من الذاكرة يستثيرها " رائد ياسين " بمواضيع لوحاته المختلفة.
قبلة أو لعب أطفال علاقات زوجية تداعب الأحاسيس الباحثة عن التوافق الأسري، الشبيه بلوحات " رائد ياسين" لأن التناغمات الهرمونية في اللون الأساسي لقاعدة اللوحة منسجم بتضاده مع الألوان الخارجية، ودرجاتها الموجية بصرياً المساعدة في خلق مسارات فكرية تساعد على منح البهجة المنبعثة من كل لوحة تضم فكرة ، تجعلنا نلتقط من خلالها حركة داخلية تعيدنا إلى الذات، والتفكر بملف ذكريات أخفيناه بين جدران الذاكرة ، كلوحة تحيط بها الأطر المغلقة، والأفكار الواضحة التي تكشف عن شخصيات موجودة في كل عائلة تبحث عن السلام الداخلي، والمحبة المتوائمة مع التضاد العاطفي الذي تركه " رائد ياسين " في اللون وأظهره أيضا في الطبقات التي تتأسس اللوحة منها كاشفاً عن فكرة تشكيلية مغايرة ، وتركيب حركي يحصر من خلاله الضوء بين الخطوط الرفيعة والعريضة ، والمغزى الفني المتعاطف مع شخصياته التي تداعب الوجدان بمهارة إبداعية، وصياغة قصصية تشبه كتابة المذكرات.
تميل لوحات " رائد ياسين " إلى بث روح الدعابة الفنية في النفس حيث نتعاطف معها . ما يجعلها تمتلك نزعة قصصية يروي من خلالها تفاصيل ما زالت متراكمة في نفسه قبل أن يصور الوجوه، وتعبيراتها التي تدعو الرائي إلى تأمل الأجواء العاطفية، وقدرتها عل جعل الحواس تنطلق نحو البحث في جزئيات اللوحة الخاصة، وكأن جدار اللوحة هو لبيت ما استراح فيه " رائد ياسين" مع المواد المختلفة، المؤسسة لبنية اللوحة الإبداعية، ولفراغات تتكئ عليها الخطوط المتكاثرة الموحية بالمجتمعات المختلفة، والمتنوعة مع التلميحات بوجوب وجود الآخر في الحياة، والحفاظ على القدسية الأسرية، والتكوينات العائلية التي تمد الإنسان بجمالية وجودية تنفي عن الذات صفة الأنانية أو الانعزالية التي تدعو إلى اليأس والإحباط . مما يجعلنا نغرق في الأحاسيس الدرامية التي تنتجها رؤيته الخاصة في إنتاج اللوحة.
فردية فنية ذات تعبيرات تكنيكية، وخطوط تلعب ديكوراتها دوراً أساسيا في خلق خلفية تترجم الأبعاد الرؤيوية، والتفاصيل الجزئية المبنية على تقليدية معاصرة. تشبه الفنون الرقمية التي تصور انطباعات تشكلت في النفس بلحظة حميمة، انطلقت من صميم العاطفة التي تفتقد إلى الأجواء الأسرية الظاهرة في لوحات إبداعية تميل نحو الفرح ، والألوان المشبعة بالضوء. لأنها تعتمد أساسا على الشخصيات والأبعاد النفسية التي تحدد جوهر الفكرة الأساسية التي تعالجها اللوحة.
dohamol67@gmail.com
Doha El Mol