إشراقات تشكيلية ذات بهجة لونية
ضحى عبدالرؤوف المل
تعتمد «رندا على أحمد» على المدركات البصرية في اعتمادها فلسفة الصعود والهبوط، ومساوىءالتفكير المادي البحت المسبب لتآكل الإنسانية، وابتعادها عن الطبيعة وروحانيتها الجمالية، فأعمالها الإبداعية تتميز بدينامية الفكرة والقدرة على تنفيذها من خلال بصمة إيقاعية تعتمد على خطوات تترك آثارها على اللون، وكأنها بصمة المسارات لخطوات حياتية تحتاج لثقة بالنفس وتدعو إلى العودة لطبيعة أم، ولقوة إرادة تتشكل منها جماليات حسية تمتزج مع عناصر الطبيعة، وتبتعد عن مادية الحياة وتكويناتها الخالية من الجمال، ولكن المثيرة البصر من حيث القيمة واللون والإبتعاد عن أساسيات تتسبب بتشوهات وصراعات تمنع كلاً منا الصعود أفقيا نحو حقيقة الخلق والوجود، فنتساقط قبل أن نكتشف قيمة الطبيعة وما تحتويه من عناصر جمالية تساعدنا على خلق تأملات تأخذنا نحو الحقيقة حيث الأمل والابتعاد عن التشاؤم والتعتيم، فألوانها الزاهية هي إشراقات تشكيلية ذات بهجة لونية تساعد حسياً وبصرياً على الانطلاق نحو فكر فلسفي بناء، لصورة إبداعية مركبة ذهنياً تساعدنا على الارتقاء والصعود نحو حقيقة الوجود.
فضاءات تخيلية واسعة لمكونات بصرية مبنية على مفهوم الخطوة، وأثرها على متابعة المسير، مهما كانت صعوبات الحياة التي نتعرض لها، فالألوان والتنميش، والمزج، والسماكة، وثبات الألوان التجريدية الممتدة على مقاسات كبيرة في لوحات تظهر فيها قوة كل لون من حيث درجته، وطوله الموجي وذبذبات الضوء المترنحة بين تشابكات متوازنة إيقاعياً من حيث التعتيم، والتفتيح، والظل، والضوء، والفراغ، والقدرة على بث مفهوم فني يعتمد بالدرجة الأولى على الفكر الإبداعي الخلاق، وعلى ابتكار أسلوب استبدلت» رندا على أحمد «من خلاله الريشة بدعسات ثابتة من قدميها وخطوات راقصة بثقل مادي وخفة روحية، لتؤلف إبداعياً ايقاعاتها التشكيلية الخاصة بها.
تكشف «رندا علي أحمد» في أعمالها الإبداعية عن قدرات بصرية ذات جماليات حركية تبث من خلالها فكرة التناقض بين الأفقي والعامودي من خلال السلّم، ومفهوم الفصل والوصل، والصعود والهبوط، ورمزية التضاد والتناغم بين الخطوط والألوان، والحركة، والريشة، والبصمة الحقيقة النابعة من إرادة الإنسان في محاكاة الطبيعة، والحياة بذاتية نابعة من الأنا، والمدركات الحياتية الأخرى التي تلعب دوراً مهما في إضفاء جمالية لا تخلو من تساؤلات تقود الذهن نحو استنتاجات تضعنا أمام الجمادات الإنسانية، والحركة الطبيعية للحياة ومكنوناتها الخلاقة في تشكيل الجمال ومنح الحركة نفحة تأثيرية وتأملية تساعد المتلقي على تذوق المفردة الفنية في أعمال مزجت التشكيل مع التركيب الإبداعي والفلسفة مع الفن. مما ترك في كل لوحة نزعة فلسفية ذاتية تنبع من الحياة وجمالها والإنسان وقدرته على الإبداع، والاستمرار بالحياة وفق إرادة مملوءة بالأمل والابتعاد عن قساوة المادة، واللجوء دائما إلى أحضان الطبيعة.
تستخدم «رندا علي أحمد» السلّم كحد فاصل بين مفهومين متناقضين. إن فنياً أو واقعياً أو حتى تجريدياً أو انطباعياً، فهي تجمع في أسلوبها بين فكر واحد في أساليب متعددة تركتها تنطبع على لوحاتها بعفوية روضتها بلمسة ريشة أخيرة تصحح فيها واقعيتها، لتترك لمسة جمالية لريشة تداعب مخيلة المتلقي، وتتركه داخل متاهات انطباعية ذات حركية تعلو وتنخفض مع فكرة الصعود والهبوط، واللجوء إلى الطبيعة وحيويتها لفهم الجمال الإنساني، وفصله عن ماديات حياتية تمنعه من التأمل والصعود بالفكر نحو تأمل الجمال، والتناسق التشكيلي بين الطبيعة والواقع واللوحة من خلال المعنى والمبنى، والأسلوب، وجزئيات كل لون تمرد على التجريد وحافظ على موجاته رفم اختلاطه بالآخر.
تفاوت محسوس بين المنطق الفلسفي وجيومترية الخطوط اللونية المصبوغة بروح الطبيعة التفاؤلية، وبصمات الألوان الغامقة والفاتحة أو الباردة والحارة وجزئيات فراغية مقترنة بالضوء، وقدرته على التغلغل بين الألوان المختلفة التأثيرية حسياً من حيث الظاهر والباطن، والقدرة على تشكيل إيحاءات مفهومة وجدانياً، وأبعاداً مكانية لطبيعة رسمتها بدعسات شديدة انطباعياً، غلفتها بديناميكية سخرتها لتوحي بقوة الانسجام بينها وبين اللوحة . لتبث روح الفن الإبداعي لكل متأمل للوحاتها الفنية، وللعلاقة الارتباطية بينها وبين الإنسان المادي وروح الطبيعة ومعانيها الحياتية المؤثرة على النفس والفكرة الوجدانية، فأداتها الفنية نبعت من خطوتها، والمفردة الجمالية التي تكونت في ألوانها وخاصيتها من حيث التضاد والتوافق والانفتاح نحو فكرة الصعود في إدراك قيمة الطبيعة، وما تحتويه من عناصر تكونيه فنية إبداعية تمنح الإنسان قيمة حياتية تجعله الأقوى إرادياً ًفي مجابهة الحياة.
السلّم في أعمال «رندا علي احمد» هو رمزية تشكيلية هي بمثابة جوهر العمل الإبداعي أو التشكيلي الإبداعي المركب فنياً من عناصر مادية وحسية. لأنها تعتمد على الخطوط الأفقية والعامودية، لتنطلق بعد ذلك نحو الآفاق الأكثر اتساعا وتخيليا، والحاجة إلى المادة التكوينية. لكن من خلال روحانية جمالية مرتبطة بالإنسان ونظرته التجريديةالعامة للحياة الواقعية بمختلف معانيها الحسية من أمل ومحبة، وجمال، وقدرة كل ذلك على محاربة القبح واليأس وشرور نفس تمنعها النظرة المادية من الصعود نحو روحانية الفن، والقدرة على التعاطي بموضوعية فنية تفاعلية، تحاكي بها كل متلق لأعمالها بلغتها الفنية المغايرة كلاسيكيا. لفكرة الريشة ولمساتها وحاجة الفنان لها. مهما حاول الابتعاد عنها أو خلق الأساليب الفنية المعاصرة، لكسر رتابة الأساليب التقليدية أو التمرد عليها فنيا
dohamol67@gmail.com
Doha El Mol