رمزية تعبيرية صارخة بصمت لوني داكن
ضحى عبدالرؤوف المل
يرصد «يوسف عبدلكي» حركة الثورة في لوحات يضم فيها مفردات فنية تضخ الأوجاع والآلام والصرخات المخنوقة والدماء، وكل ما يمكن أن يتصل بجروحات يرمز إليها بخط عامودي حاد، لسكين انغرزت في أرض صلبة، وما بين الخطوط العامودية والأفقية يبني «يوسف عبدلكي» معاني الحرب الثورية التي بدأت بألوان قاتمة لا إشراقات فيها إلا ألوان دماء حمراء وكلمات «يا نجمة الصبح» التي تسيل حروفها كدموع الأمهات اللواتي يركعن أمام صور أبنائهن، فهل تصرخ لوحات «يوسف عبدلكي» بصمت رمزي، وتعبيرات تمت السيطرة عليها لتكون عنوانا لثورة تحافظ على هوية أرض عربية تنادي يا نجمة الصبح؟ أم أن ثورة التشكيل في لوحات تموت فيها حتى العصافير توحي بقوة ثورة لم ترحم حتى براءة الأطفال؟
معاني إنسانية ومفاهيم تشكيلية جمعها «يوسف عبدلكي» في لوحة تختصر المآسي التي امتدت في مساحات لوحة كبيرة، مستفزا بذلك مشاعر المتلقي، ليؤثر بصرياً على حواس تستكشف المعاني من خلال رموز قاسية، وضعها ضمن خطوط حافظ على عاموديتها أو أفقيتها، تاركاً لمعنى الانفصال والاتصال لوناً حيادياً، قد يصل مفهومه لعدم وجود أو أن نموت أو أن نبقى، وفي كلتا الحالتين نرى اليد المقطوعة والأمهات الثكالى ضمن لوحات تحيط بها الأضواء الخافتة التي تركها داكنة، ليحافظ على تراجيديا فنية ذات مشاهد مقتضبة، وكأن كل لوحة هي مشهد من مشاهد مسرحية تم تقديمها على مسرح الحياة أو بالأصح مسرح الثورة السورية، وما تحمله من تفاصيل انتهاكات لم يسلم منها حتى الطيور التي تغرّد في ربيع ربما سنفتقد فيه لعصافير تم قتلها لتقع على الأرض وعيونها إلى السماء أو الحرية.
رمزية تعبيرية صارخة بصمت لوني داكن، وحركة زمنية بطيئة أخذت من الواقع إيحاءاتها، ومن الحزن ألوانها إلا أن للدماء الحمراء التي تسيل حرارة نلمسها حتى في كلمات عربية تركها على لوحة كجداريات مكتوبة بعفوية وبساطة، ويد موجوعة تم قطعها بوحشية لتكون وحيدة في صورة محاطة بكثافة لون لا فراغ فيه لتمارس ريشته الحزينة لا شعورياً إيقاعاتها اللونية ذات التراجيدية الإيحائية، ولمفهوم محوري ومنظوري تفرّد به «يوسف عبدلكي» مشيرا إلى عمق الموضوع الفني في لوحة تبرز منها تفاصيل ثورة نفس تنمّ عن وجع مكبوت في ثنايا اللون المتوحّد والانعزالي حيث المعاناة الحسية التي يشعر بها المتلقي بصريا، والتي تتسم بالبساطة في الأشكال والأحجام والكتل، وحتى الكلمات فهو يستبطن مشاعره لتتوافق مع رسوماته الغامضة والواضحة في آن.
إحساس سيكولوجي مرتبط بقدرة اللون على بث مؤثراته، ليضفي على كل شكل تناقضات تحمل تأويلات مختلفة إن خيراً أو شراً أو انتظاراً أو وداعاً أو موتاً أو قطع رؤوس بوحشية، وفي كل هذا يتوسط الشكل كنقطة ضوئية تنطلق منها ألوانه المتباينة منطلقا بها نحو دواخل الذات، لترسم بلا وعي وانفعالات تترجم كل ما ترى العين على أرض بسطها، وترك فيها كل خط ليتخذ اتجاهاته ومساراته مع اللون، وكأنه يقسم المعاني الفنية إلى قسمين قسم هو لمعنى كل خط من حيث قساوته وليونته ودلالاته السيميائية، وقسم هو لمعنى اللون البارد والحيادي أو بالأحرى السلبي في ايهاماته واستسلامه، مما يؤثر على استثارة المتلقي الحسية من حيث الرؤية والمحاكاة، والقدرة على فهم المعنى الانطباعي الذي يتولد من حوارات اللوحة الداخلية، ومن أسلوب يحافظ فيه «يوسف عبدلكي» على اتجاهات معينة يريد إيصالها ببساطة إلى شريحة تتذوّق الفن، وتعيش معاني الثورة بكل تفاصيلها مع إظهار معنى المفردات الفنية من حيث التلاحم والتلاؤم مع الأحداث السياسية، والاجتماعية التي نتجت من كل حرب يشنّها الإنسان على أخيه الإنسان، فهل يوحي «يوسف عبدلكي» بمبدأ كل شيء أو لا شيء! أم أنه يدعو المتلقي الى تأمل معاني الثورة ونتائجها في أعماله الفنية الثائرة فنيا؟!
مواضيع مختلفة طرحها في لوحاته من حقوق الموتى إلى حقوق الطفل، والطيور إلى التلوث البصري، والسمعي المؤثر على حواس شعب انتفض وثار، وكان هو المؤثر والمتأثر، والقابض على الجمر، فكل شهيد هو في إطار صورة تحملها أم تنزف دمعها، لتحتضن صورة بقيت عالقة على كرسي تم النزاع عليها أو التمسك بها أو الإطاحة برأس كل إنسان ثار في وجه ظلم، لتتخطى الريشة الضعف والخضوع والذل وتمنح الموضوع العام المتعلق بالقيم الإنسانية والمعاناة صورا رسمها بصبر وأناة، وبرمزية غارقة بانطباعات ذاتية خاصة.
يقول ألفرد أدلر: «إذا كنا ننشد البقاء فما علينا إلا أن نطوّع انفعالاتنا لتتناغم مع أعاظم توجهاتنا لحل مشكلاتنا بقصد بلوغ أهدافنا وتحقيق غاياتنا». ريشة تحمل في طياتها فكراً إنسانيا ينشد بالألوان والخط والضوء توجيهات فنية يشارك بها «يوسف عبدلكي» بثورة يخوضها تشكيلياً لإيجاد لوحة فنية هي بمثابة موضوع وطني يحقق للإنسانية قيمة وجودية تسمو مع كل فكرة انطلقت وتحققت رغم كل معاناة أو مأساة.
dohamol67@gmail.com
Doha El Mol