ريشة تصرخ: أين الحب والسلام؟!.
ضحى عبدالرؤوف المل
تتشح الألوان في لوحات الفنان «بروز علي» بجعلكة يتجه نحوها الضوء بانعكاس جانبي، حيث تبدو أقنعة الوجوه ملفعة بإيماءات تحمل في طياتها لغة تمثيلية. يشير من خلالها إلى الحدث المؤثر القابض على إشراقة اللون الذي يمنحه بين لوحة وأخرى إشارات، ودلالات تنطوي على معاني متثاقلة. نتجت من تأثير الألوان الباردة والحارة ذات السماكة المتماسكة، والخطوط المتحررة من مفاهيم أكاديمية، والمرتبطة برسومات بسيطة ترمز إلى شدة المؤثرات التي انطبعت في الخط العريض والرفيع، والتداخل في المساحات، وخصوصا مساحة الوجه التي تنقسم أحيانا إلى ثلاثة وجوه، وكأنه يصوغ من الفن التشكيلي إيمائيات فنية صامتة. نقرأ من خلالها التعابير المشحونة بمعاني خلفيات تلونت بالأسود أو بالأحمر حيث العيون تبدو، كالوجوه في داخل طفل يبحث عن الأم والأب ضمن ذاته. لأن الألوان التعبيرية تحمل في تضادها الانفعالات الحسية القادرة على ترجمة الرسالة التي يحملها بروز في معرض ملأ الوجوه فيه حيثيات الحاضر من فرح وحزن، وأمل، وطفولة يفتش عنها، وسيارات لم يبقَ منها إلا أبوابها، ولكن تصرخ ريشة» بروز علي» أين الحب والسلام؟.
تتكافأ الوجوه فيما بينها بتناظر تتساوى فيه الأشكال, وتتناقض فيه التعابير التجويفية، المضيئة حيث تركها مفتوحة على تأويلات لا يمكن ضبطها، فالإيماء البصري الصامت يؤدي دوره التمثيلي في نفس المتلقي من حيث المنظومة البيضاوية التي تعكس قيمة الدائرة، والمستطيل والخط العامودي، والمنحني، وكأن اتجاهات الخطوط تلين على سماكة السطوح، وتغيراتها التجريدية نسبياً من حيث الرؤية، والوضوح والانعكاس الفني المؤدي إلى تشكيلات تحاكي الزمن التائه عن المكان، والوجوه التي تختفي معالمها تحت أقنعة رسمها بجمالية تتغير من لوحة إلى لوحة، ومن وجه إلى وجه. لأن الألوان الممزوجة بتجريد سينوغرافي يفصل الأبعاد الثنائية عن الحركة البصرية، الموازية لمفهوم التطابق والتناظر، والسيمترية المتوافقة مع الإدراك الحسي للأشكال الغرائبية التي يحملها في كل معرض، ويقدمها ضمن معانٍ إيمائية ذات تعبيرات صامتة. نقرؤها من خلال كل مفردة، وما تحمله من تجليات إنسانية يسعى من خلالها «بروز علي» للبحث عن الأنا والجماعة. أو عن المجتمع والوطن، وعن الحرب، والحب، والأمن، والسلام.
تناغم لوني وبيضاوي يثير المخيلة من حيث التقارب، والتباعد ونسبة الألوان المضيئة والمعتمة، حيث البساطة والعفوية في الرؤية، وحيث الفكرة التي تتعدد معانيها في أكثر من وجه مأساوي أو مفرح يتمتع بخربشات لونية خشنة. تركها كمجموعة إنسانية تبحث عن المعاني الحياتية فيما بينها. لنتمكن من إنعاش الذاكرة، والبحث عن التفاصيل الفنية الموازية. لكل حدث أشار له بالإيماء أو اللون أو الحركة أو الأشكال المرسومة داخل كل قناع تندفع منه لغة نتأملها، نقرؤها، نحاول ترميزها أو تشفيرها. لتبقى ضمن طيات رمزية الأقنعة التي تجدد في كل معرض يبحث فيه «بروز علي» عن اللحظة، وتشكلاتها الاجتماعية والفنية، داخل لوحات تحاكي الحدث من ثورة، وتفجير، وأما حب،وفراشات وألوان تمرح على الأقمشة، وخربشات ذات اتجاهات انعكاسية تثير الحس وتداعب البصر.
يحدد «بروز علي» تكوينات الخطوط لشخوصه التي تتوزع على مجموع اللوحات، وللخربشات الدقيقة المنبعثة من عمق الألوان المتوهجة بإشراقات ضوء يعكسه تبعا لمفهوم الإنسان والإنسانية، والقدرة على خلق أقنعة تتألق مقاييسها وأحجامها، وتتنافر ألوانها وفراغاتها حسياً من حيث البعد الواحد، والثاني ومجموع الشخوص الإيمائية التي تحاكي بعضها البعض، وتمنح الرائي ترجمات فنية تتميز ببساطة المفهوم، والشكل والمضمون, والعلاقة الفردية المرتبطة بالمعاني التي يبثها» بروز علي « فكرة الثورة، والربيع بتناقض يحمله بين يديه كباب سيارة أو كأرض مفروشة بالربيع والألوان.
يقول دكتور عاطف جودة: «يبقى الخيال تحققا لحرية الإنسان وإرادته وضرورة لا بد منها للوعي وهو يتجه صوب المعرفة.» إن المعرفة الكامنة في عمق التفاصيل الفنية التي يضعها بغموض «بروز علي في العينين» هي نتيجة المعاني المرتبطة بالألوان الأ حمر، الأخضر، الأصفر، الأزرق، وحيادية باردة ذات أضواء باردة. كأ ن الزمن توقف عند كل من ترك القناع فارغاً من وجه ما زال بريق العيون يحمل من معاني النفس المتعبة إيحاءاته الخاصة. إلا أن «بروز علي» نسج من الفراغات تشابكات، وجعلكات فصلت الوجوه عن الخلفية، ومنحت الشخوص صفة كرتونية. تعيد رواية الحياة الإنسانية من متاعب وأفراح. أو من خلال الأفكار المختلطة في أذهان تعصف بها ملامح الوجوه الخاصة التي تستدير. تبعا للحالة النفسية التي ترمز إليها كل لوحة ما زالت أقنعتها تحتفظ ببريق العيون الذي يمثل الجزء الأكبر من المعاني المفهومة، لرسومات تتشابه في الشكل وتتناقض في المعاني، وكأنه يعكس حالة الأطفال في سوريا، وحالة كل شخص يساوره الأمل، والقلق في الربيع العربي، الذي فرش له البساط المزهر، وكأنه خارطة سوريا الجديدة التي ستحمل في طياتها الحياة، والجمال والفن الهادف.
dohamol67@gmail.com
Doha El Mol