الامتداد الضوئي المنبعث من الألوان المنسجمة
ينسج الفنان «محمود الغزال» من الألون قطعة فنية يكشف من خلالها عن عمق وجداني، تحمله الألوان الشاعرية التي تستفيق عند خربشة الخطوط الرقيقة، ومكوناتها الجمالية الباعثة على الصفاء.لأن التناظر الضوئي المنبعث من بين الألوان يتبوأ إشراقات فضائية تعتمد بشكل ما على التفتيح، والموجات الطولية لكل لون مزجه بتقنية دينامية نابضة بالموسيقى. إذ تخضع الفكرة إلى الذوبان في الموضوع الكوني الذي يقدمه عبر الألوان، وطاقاتها البصرية الجاذبة للحس بطريقة شفافة، فهو يعتمد على تأثيرات اللون، والتناظر الطبيعي الفطري الممزوج بفلسفة تتمتع بعدة إيقاعات، تتكرر بعفوية في حركة الطواف اللوني أو التلاشي المتضمن اللانهائية الوجودية الرمزية، والتي يضعها الفنان «محمود الغزال» في قوة الضوء، والاختراق الكلي الرائق مزاجياً وحسياً وفنياً.
إن الامتداد الضوئي المنبعث من الألوان المنسجمة مع الأشكال توحي بالراحة والسكينة، وتؤكد على قيمة اللون وتقنيته التراتبية أو التي تندرج حسب الدائرة اللونية مع الطيف المرئي المنسجم مع الحركة، وانعكاسات الخطوط العشوائية الممتزجة مع تجريد يسيطر عليه واقع الخط الأبيض المتوازن مع قيمة اللون الأبيض أو الأزرق أو الأصفر الشفاف، ومن خلال التناسب بحيث تتوازن اللوحة بصرياً من جميع الزوايا التي ينظر إليها المتلقي. إذ تبدو نقطة التلاشي هي نقطة الواقع، وهي نقطة الوجود، وهي نقطة العدم، وهي نقطة اللانهاية أو البُعد الزمني الغامض الذي يقودنا إليه الدوران الصوفي أو المولوية الانطباعية بصرياً، بحيث تتضمن اللوحة تجريدا أكثر تناسباً مع الشكل، والإيحاءات الشاعرية المتكافئة مع العناصر والوحدات الدلالية الأخرى.
تتكافأ الألوان الباردة والحارة فيما بينها في لوحات الفنان» محمود الغزال « ليرمز إلى التساوي الروحي في لحظة تأملية، وعلاقاتها المتباينة من خلال انبثاق الضوء، كبؤرة أحيانا يتجه إليها البصر منتقلا من حالة إلى حالة أو بالمعنى الإيحائي منتقلاً من لون إلى لون، كمنظومة يتحول من خلالها البصر بتناظر لوني تتساوى فيه الأشياء الحسّية، والمرئيات المألوفة في حالة الدوران الكوني أو لحظة التجلي الكبرى التي تطرأ على النفس، وعلى الذبذبات اللونية القادرة على ترجمة المشاعر، والعواطف، والتغييرات الوجدانية المرتبطة بحالة الرقصة المولوية. أو تلاشي النقطة في المحيط الكوني، وتبدلاته الضوئية المثيرة للنفس، ولحميمية جمالية تتصف بالوجود والعدم. أو بالخيال والحقيقة. أو بالتجريد والواقع أو بالضوء والعتمة، وحركة التفتيح والتعتيم والتساوي الانتصافي الخاضع لموسيقى اللون، وقوة انفعالاتها، وانخفاضها المتوازن مع الحركة الدورانية الموحية بالتودد والتآلف الفني والجمالي.
إن حركة الطواف اللوني في أعمال الفنان « محمود الغزال» تكتسب بعداً بصرياً، مفتوحا نحو فضاءات لا نهائية تصل إلى درجة قصوى من التساوي الزمني بين اللحظة، واندماجها مع الفترات الزمنية المترابطة مع التدرجات اللونية المنتظمة فيزيولوجيا، وبتوأمة إيقاعية ترتقي نحو التدرجات الضوئية التي تجذبنا نحو الخارج، عبر مقامات بصرية تتخذ من المنحى النفسي صفة لها، فالألوان وإشراقاتها تلعب دوراً مهماً في لوحات الغزال. حيث يمكننا القول إن المقامات اللونية تطرب النفس وتضعها أمام لحظة انطلاق جمالية من الداخل إلى الخارج، ومن النقطة إلى التلاشي اللانهائي الذي يتصف بالحركة المحاكية للحظات الانتشاء الروحي، وذروتها المحكومة بالفراغ المسيطر على فواصل اللون المعاكسة، للنغمة الاستثنائية الكامنة في ما يسمى الكر والفر في المعنى والبنى، وفي الألوان وذبذباتها وعوالمها الروحية التي تبرز كألحان بصرية نراها وفق إيقاعات تكتسب جمالية خاصة.
إن قيمة الألوان في لوحات «محمود الغزال» تكتسب بعداً سيمترياً أو تناظرياً متساوياً وجدانياً من حيث المؤثرات البصرية وأثرها على الوجدان. لأن التحليق البصري مع ألوان الغزال يحفّز المشاعر والأحاسيس السلبية على الاندفاع. لتلتقط إيجابيات العمق الموضوعي الذي يضعه أمامنا وفق الفن التشكيلي المعتمد على اللون، وتقنيته الديناميكية التي تتضمن خربشات تضعنا فجأة أمام حقيقة الحياة، وتواجدنا العشوائي أو المنتظم فيها من حيث لغة لونية لم تنف رياضيات اللوحة أو بنيتها التشكيلية، التي تحتل جسيماتها صفة فيزيائية ضوئية ذات قواعد وقوانين موسيقية محسوسة وجدانياً وجمالياً.
منظومات فراغية ذات أشكال تخيلية مغطاة بخطوط لون وهمية عميقة المسارات. لأن التعبير عن الجمال الكلي يبرز داخل المساحات الضوئية المتسعة في أكثر من لوحة توحي بالبُعد الغامض، الذي يرتكز على فكرة الانطلاق نحو التحرر، والانعتاق من المادة ولمس المكونات الحسية التي تندمج مع بعضها البعض بتساوٍ حتى بالانسجام، والتضاد، والتنافر، والتآلف بين الدرجات المنصهرة في القوى الطبيعية التي تدفعنا نحو كينونة إنسانية وجودية لا شرور فيها، حيث تتحد القوى الكونية في الذات، وينتج عنها جمالية تكشف عن مقاييس ومعايير اتخذها «محمود الغزال» من درجات كل لون متكافئ بذاته، ومتوازن مع سواه. لنتساءل في أنفسنا أين نحن في هذا المحيط الكوني ؟
dohamol67@gmail.com
Doha El Mol